المقالات
اغتنموا رمضان
Whatsapp
Facebook Share

اغتنموا رمضان

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجمعين.

 

 أُما بَعْدُ: إننا وَاللهِ لَمِنْ الْمَحْظُوظِينَ أن يُبَلِّغَنَا رَبُّنَا رَمَضَانْ، وَيُعِينَنَا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ اللِّسَانِ. إِنَّهُ مَوْسِمٌ سَنَوِيٌّ لِلتَّعَافِي الرُّوحِيِّ، وَالتَّخَلُّصِ مِمَّا رَانْ عَلَى قُلُوبِنَا مِنْ آثَارِ ذُنُوبِنَا، وَهُوَ مَوْسِمٌ لِاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتنا لِنَرْفَعَ رَصِيدَنَا مِنْ الْحَسَنَاتِ والأعمال الصَّالِحَاتِ، فَالْقَلِيلُ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَكَاسَلْ يوماً وَفَاتَتْهُ صَلَاةٌ أوْ أكْثَرَ، أو وَقَعَ فِيمَا حَرَمَ اللهُ، لأننا خُلِقْنَا ضُعَفَاءَ أَمَامَ مُيُولِنَا وَنَوازِعِنَا وَشَهَوَاتِ نُفُوسِنَا، وَلكِنْ مُقَابِلَ ضَعْفِنَا هَذَا أُعْطِيْنا قُوَّةً لَا يَمْتَلِكُهَا مَخْلُوقٌ آخَرُ غَيْرُنَا، فَقَدْ خَلَقَنَا اللهُ لِنَكُونَ خُلَفَاءَهُ فِي الأرْضِ، وَكرَّمَنَا وَأسْجَدَ الْمَلَائِكَةَ لأَبِيْنا عِنْدَمَا خَلَقَهُ سُجُوْدَ التَّحِيَّةِ، وأثْبَتَ لِلْمَلَائِكَةِ تَفَوُّقَ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِمْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى خِلَافَةِ اللهِ في أرْضِهِ، حَيْثُ يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ وَالدَّافِعَ لِيُحَقِّقَ صِفَاتِ اللهِ فِيْ نَفْسِهِ، فَيَعْمَلُ مِثْلَ الَّذِي كانَ اللهُ سَيَعْمَلُهُ لَوْ كَانَ فِي مَكَانِهِ، أيْ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ «يَتَخَلَّقُ بأَخْلاقِ اللهِ»، فَلَوْ وَجَدَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِيْ مَوْقِفٍ لَوْ كَانَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ هُوَ الَّذِيْ مَكانَ هذا الإِنْسَانِ لَعَمِلَ بِرَحْمَتِهِ فَيَكُونُ الإِنْسَانُ رَحِيماً كَمَا اللهُ رَحِيمٌ وَيَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاً تَتَجَلَّى فِيْهِ الرَّحْمَةُ، فَيَكُوْنُ الْإِنْسَانُ فِيْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ خَلِيْفَةً لِلّهِ فِيْ أَرْضِهِ، يَنُوْبُ عَنْهُ وَيَقُوْمُ بِمَا كَانَ اللهُ سَيَقُوْمُ بِهِ مِنْ تَحْقِيْقٍ لأَخْلاقِ اللهِ وَاتِّصَافٍ بِصِفَاتِهِ، أَيْ يَتَشَبَّهُ بِهِ وَيُقَلِّدُهُ، تَمَامَاً كَمَا يَفْعَلُ مَنْ تَسْتَخْلِفُهُ أَنْتَ مَكَانَكَ فِيْ عَمَلِكَ لَوْ اضْطُّرِرْتَ لِلتَّغَيُّبِ عَنْهُ، لَكِنَّ اللهَ لا يَغِيْبُ، وَاسْتِخْلافُهُ لَنَا اسْتِخْلافُ اخْتِبارٍ لِيَبْلُوَنَا أَيُّنَا أَحْسَنُ عَمَلاً. رَبُّنَا اسْتَخْلَفَ الإِنْسَانَ لِيَكُونَ عَلِيماً كَمَا اللهُ عَلِيْمٌ، وَيَكُونَ كَرِيماً كَمَا اللهُ كَرِيمٌ وَيَكُونَ عَادِلاً كَمَا اللهُ عَادِلٌ، وَيَكُوْنَ قَوِيَّاً كَمَا اللهُ قَوِيٌّ، وَيَكُوْنَ غَفُوْرَاً كَمَا اللهُ غَفُوْرٌ، وَيَكُونَ... وَيَكُونَ... حَيْثُ تَتَحَقَّقُ فِي سُلُوكِهِ وَمَشَاعِرِهِ أَسْماءُ اللهِ الْحُسْنَى بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ صِفَاتٍ وأخْلاقٍ، إِلَّا وَاحِدةً تَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا، لَكِنَّ اللهَ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ وَهِيَ الْكِبْرُ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الْكَبِيْرُ الْمُتَعَالِي، وَلَا يَحِلُّ لأَحَدٍ غَيْرُهُ أنْ يَتَكَبَّرَ أوْ يَتَعَالَى.

 

لَقَدْ خَلَقَنَا اللهُ كَائِنَاتٍ حَيَّةً حُرَّةً ذَاتَ إِرَادَةٍ تُدْرِكُ الْمَعَانِيَ، وَتَعِيشُ مِنْ أجْلِ الْمَعَانيَ الَّتِيْ تَكُوْنُ ذَاتَ قِيْمَةٍ فِي نَظَرِهَا، فَنَعِيْشُ لِنَسْتَمِدَّ الْقِيَمَ مِمَّا فَطَرَنَا اللهُ عَلَيْهِ مِنْ الشُّعُورِ بِقِيْمَةِ صِفَاتِهِ وأخْلاقِهِ، وَحُبِّ تَحْقِيْقِهَا فِي أَنْفُسِنَا وَالإعْجابِ بِمَنْ يَتَّصِفُ بِهَا، وَتَتَجَسَّدُ فِي سُلُوكِهِ وَفِكْرِهِِ وَمَشَاعِرِهِ، أَيْ فِي عَمَلِ قَلْبِهِ وَعَمَلِ جَوَارِحِهِ، وَحَتَّى الَّذِيْنَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ لَدَيْهِمْ الْقُدُرَاتُ وَالدَّوَافِعُ الَّتِيْ لَدَيْنَا، لَكِنَّ هَلَاكَهُمْ كَامِنٌ فِي اِسْتِمَتَاعِهِمْ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالْعُلُوِّ فِي الأَرْضِ، فَيَقَعُوْنَ ضَحَايَا أَهْوَائِهِمْ، وَيُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا أَنْداداً لِلَّهِ لَا خُلَفَاءَ لَهُ يَأْتُوْنَ مِنْ بَعْدِهِ، فَتَمْتَلِئُ نُفُوسُهُمْ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيْهِ، كَمَا أَنْبأَنا رَبُّنَا فِي قُرْآنِهِ.

 

فِيْ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِغَسْلِ الذُّنُوبِ وَالتَّطَهُّرِ مِنْ كُلِّ مَا دَنَّسْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا، لأَنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي أذْنَبَهُ فِي حَقِّ اللهِ، لَكِنْ يَبْقَى عَلَيْهِ إِثْمُ ذُنُوبِهِ فِيْ حَقِّ الْعِبَادِ، فَهِيَ لَا يَغْفِرُهَا وَلَا يَغْسِلُهَا لَا صَوْمٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا زَكَاةٌ، ولا حَتّى الْمَوْتُ شَهِيْداً في سَبِيْلِ اللهِ، لَا يَغْفِرُهَا إِلَّا أصْحابُ الْحَقِّ الَّذِينَ اعْتَدَيْنَا عَلَيْهِمْ، فَآذِينَاهَمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَوْ فِي أَمْوالِهِمْ، فَمَهْمَا اجْتَهَدْنَا فِي الْعِبَادَةِ لِرَبِّنَا، وَمَهْما عَلَتْ مَرْتَبَتُنَا فِي سُلَّمِ الْعِبَادَةِ، لَنْ نَتَخَلَّصَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي لَهُمْ فِي ذِمَّتِنَا مَا لَمْ نَرْدُدْ إِلَيْهِمْ مَا أخَذْناهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْ نُعَوِّضَهُمْ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يَغْفِرُوا لَنَا مَا نَحْنُ عَاجِزُونَ عَنْ إِصْلَاحِهِ، وَلَا نَسْتَطِيعُ تَعْوِيضَهُمْ عَنْهُ.

 

فَلَوْ فَاتَتْ أحَدَنا فُرُوضٌ مِنْ صَلَوَاتِهِ قَلِيلَةٌ أو كَثِيرَةٌ، يَبْقَى رَمَضَانُ فُرْصَةً لَهُ تَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ إنْ كَتَبَ اللهُ لَهُ الْعَيْشَ وَبُلُوغَهَا، وَرَزَقَهُ حَدًّا أدْنَى مِنَ الْعَافِيَةِ لِيَجْتَهِدَ فِيهَا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، لأنَّهُ إنْ أدَّى فَرِيضَةً فِي رَمَضَانَ كَانَ كَمَنْ أدَّى سَبْعِيْنَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أدَّى فِيهِ نَافِلَةً كَانَ كَمَنْ أدَّى فَرِيضَةً وَاحِدَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمِنْهُ نَسْتَنْتِجُ أنَّ الْفَرِيضَةَ الْوَاحِدَةَ تَعْدِلُ في مِيْزانِ العَمَلِ الصَّالِحِ سَبْعِينَ نَافِلَةً، وَلَيْسَ كَمِثْلِهَا قَضَاءُ الْفَرِيضَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، اللَّهُمَّ إِلاَّ مَا شَرَعَهُ اللهُ مِنْ قَضَاءٍ كَقَضاءِ الصَّوْمِ فِيْ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ كَمَا فِيْ الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ الْمَعْرُوْفَةِ، فَمِنْ غَيْرِ الْمُؤََكََدِ أنَّ الْقَضَاءَ فِيْ حَالَةِ الصَّلاةِ يَعْدِلُ الْفَرِيضَةَ الَّتِي فَاتَتْ، وَلَعَلَّها لَا تُحْتَسَبُ أكْثَرَ مِنْ نَافِلَةٍ؛ لأِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، خَمْسُ صَلَوَاتٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتُهَا، وَلِمَنْ أخَذَ بِرُخْصَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيْ جَمْعِ الظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ، وَجَمْعِ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ، فِيْ سَفَرٍ أَوْ دُوْنَ سَفَرٍ، تَكَوْنُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أوْقَاتٍ، فَحَتَّى مَعَ جَمْعِ الصَّلَوَاتِ تَبْقَّى الصَّلَاةُ كِتَابًا مَوْقُوتًا، لأنَّهُ لَا يَصِحُّ جَمْعُ الظُّهْرِ أوْ الْعَصْرِ أحَدِهِمَا أوْ كِلَيْهِمَا مَعَ الْفَجْرِ وَلَا مَعَ الْمَغْرِبِ أوِ الْعِشَاءِ؛ هِيَ فَرِيضَةٌ مَوْقُوتَةٌ إِنْ فَاتَتْ نِسْيَانًا أوْ اسْتِغْراقًا فِي نَوْمٍ، فَوَقْتُهَا حِينَ يَذْكُرُهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا حِيْنَ يَذْكُرُهَا لأَنَّ ذَاكَ هُوَ وَقْتُهَا، أَمَّا إِنْ صَلَّاهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَنْ تَكُوْنَ قَدْ أُدِّيَتْ فِي وَقْتِهَا، وَلَا ضَمَانَ أنْ تُكْتَبَ لَهُ أدَاءً لِلَّتِيْ فَاتَتْهُ، فَالْفَرِيضَةُ فِي وَقْتِهَا تَعْدِلُ سَبْعِينَ نَافِلَةً وَالْفَرِيضَةُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا قَدْ لَا تَعْدِلُ إِلَّا نَافِلَةً وَاحِدَةً، اللّهُمَّ إِلَّا فِي رَمَضَانَ بِحَسْبِ الْحَدِيْثِ الَّذِي رَوَاهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِذْ قَالَ:

 

«خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌِ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ جَعَلَ اللهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعَاً مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنَ أدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنَ أدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ وَشَهْرٌ يُزَادُ فِي رِزْقِ الْمُؤْمِنِ فِيهِ مِنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنْ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجْرِهِ شَيْءٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفْطِّرُ الصَّائِمَ قَالَ؟ يُعْطِيْ اللهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صائِماً عَلَى تَمْرَةٍ أوْ شَرْبَةِ مَاءٍ أوْ مَزْقَةِ لَبَنٍ وَهُوَ شَهْرٌ أوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنْ النَّارِ مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ- غَفَرَ اللهُ لَهُ- وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالِ خَصْلَتَيْنِ تُرْضُوْنَ بِهِمَا رَبَّكُمْ وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنَىً بِكُمْ عَنْهُمَا. فَأمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُوْنَ بِهِمَا رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ. وَأمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ لَا غِنَىً بِكُمْ عَنْهُمَا، فَتَسْألُونَ اللهَ الْجَنَّةَ، وَتَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَمِنْ سَقَى صَائِماً سَقَاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِيْ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أبَدًا». رَوَاهُ الْهَيْثَمِي الْمَكِّيُّ فِي الزَّوَاجِرِ عَنْ اقتراف الْكَبَائِرِ (1/ 197). فِي سَنَدِهِ مَنْ صَحَّحَ، وَحَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِي، لَكِنْ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ…

 

وَمَعَ أنَّ كَثِيْرُوْنَ ضَعَّفُوا سَنَدَ هَذَا الْحَدِيْثِ، فَإِنَّ مَتْنَهُ مُحْكَمٌ، وَمُنْسَجِمٌ مَعَ بَقِيَّةِ مَا جَاءَ فِي دِينِنَا، وَأُسْلُوبُهُ فِي الْبَيَانِ لَا يُشْبِهُ الْأحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةَ، مِمَّا يَجْعَلُ النَّفْسَ تَطْمَئِنُّ لِلْأَخْذِ بِهِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْأَمَلِ بِمَا فِيهِ مِنْ بِشَارَةٍ بِمُضَاعَفَةِ الْأَجْرِ فِي رَمَضَانَ، لِيَجْبُرَ النَّقْصَ يَوْمَ تُحْتَسَبُ لَنَا كُلُّ حَسَنَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، لِذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ أن يَسْتَغِلَّ الْمُؤْمِنُ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَا يُضِيْعُ فِيهِ فَرْضَ صَلَاةٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَحْرِصُ عَلَيْهَا جَمَاعَةً مُضَاعَفَةَ الْأَجْرِ، عَسَى اللَّهُ أنْ يُتِمَّ بِهَا مَا نَقَصَ مِنْ عَمَلِنَا، وَيَرْفَعَ دَرَجَاتِنَا فِي جَنَّتِهِ.

 

وَفِي رَمَضَانَ اِسْتِدْرَاكٌ وَتَعْوِيضٌ عَنْ تَقْصِيرِنَا فِي اَلتَّقَرُّبِ إِلَى اَللَّهِ بِالنَّوَافِلِ، وَقِيَامِ اَللَّيْلِ أَهَمُّهَا، أَوْ مِنْ أَهَمِّهَا، فَرَبُّنَا لَا يُقَرِّبُ عَبْدَهْ إِلَيْهِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ اَلْعَبْدُ مَا فَرَضَهُ رَبُّهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ اَلْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَى رَبِّهِ بِالنَّوَافِلِ اَلَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا، وَلَمْ تُفْرَضْ عَلَيْهِ حَتَّى يُحِبَّهُ اَللهُ، فإِنْ أَحَبَّهُ كَانَ هَادِيًا لَهُ وَمُعِينًا. فِي رَمَضَانَ تُكْتَبُ لَنَا اَلنَّافِلَةُ سَبْعِينَ نَافِلَةً، وَنَنْشَطُ فِيه بِالصَّلَاةِ مِنْ اَللَّيْلِ، فَنَقُومُ اَللَّيْلَ وَكَثِيْرُوْنَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ يَقُوْمُهُ فَنُصَلِّي اَلتَّرَاوِيحَ وَهِيَ قِيَامُ اَللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ، وَمِنَّا مِنْ يُعِينُهُ اَللهُ، فَيَقُومُ بَعْدَ أَنْ يَنَامَ وَيَرْتَاحَ لِيُصَلِّيَ فِي جَوْفِ اَللَّيْلِ صَلَاةَ اَلتَّهَجُّدِ وَهِيَ أَيْضًا قِيَامٌ لِلَّيْلِ يُحَقِّقُ الْمُؤْمِنُ فِيهَا قَوْلَهُ تَعَالَى عَنْ اَلْمُتَّقِيْنَ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ{17} وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونْ{18}﴾ [الذاريات: 17- 18]. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يُصَلِّ الْإِنْسَانُ إلَّا رَكْعَةِ اَلْوِتْرِ، فَقَدْ قَامَ اَللَّيْلَ، وَإِنْ كَانَ أَجْرُهُ لَا يُقَارَنُ بِأَجْرِ مَنْ صَلَّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ أَوْ حَتَّى ثَمَانِيَةً، ثُمَّ أََوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، فَالْمِيزَانُ يَوْمَ اَلْحِسَابِ أَدَقُّ مِنْ مِيزَانِ الذَّهَبِ وَالْأَلْمَاسِ، إِذْ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. اَلذَّرَّةُ هِيَ وِحْدَةُ الْوَزْنِ عِنْدَمَا تُوزَنُ أَعْمَالُنَا، وَلِكُلٍّ بِحَسْبِ مَا قَدَّمَ، لَكِنَّ رَكْعَةَ اَلْوَتْرِ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ لِيَدْخُلَ اَلْمُؤْمِنِونَ فِي عِدَادِ مُقِيْمِيْ اَللَّيْلِ، فَكَيْفَ وَأَكْثَرُ الْمُؤْمِنِيْنَ يُصَلُّونَ اَلتَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانْ تِسْعَ رَكَعَاتِ أَوْ إِحْدَى عَشَرَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَكَثِيرُونَ يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً، فَتُضَاعَفَ لَهُمْ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةٌ لِأَنَّهَا فِي رَمَضَانْ، وَأُخْرَى لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ.

 

لَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ الْأَشْعَارَ، وَيُنْشِدُونَ اَلْأَنَاشِيدَ اَلْمُبْهِجَةَ تَرْحِيبًا بِرَمَضَانَ مُبَالِغِيْنَ، إِنَّمَا رَمَضَانُ جَدِيْرٌ بِفَرْحَتِنَا بِهِ، لِأَنَّ قُدُومَهُ يَعْنِيْ أَنَّ اَللَّهَ قَدْ بَلَّغَنَا إِيَّاهُ، وَمَدَّ فِي آجَالِنَا حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ اَلْفُرَصُ اَلرَّائِعَةُ بِتَعْوِيضِ مَا فَاتَنا، وَيَكْفِيْنَا أنَّهُ فِيْهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِيْ مَنْ قَامَهَا كُتِبَتْ لَهُ أَلْفَ شَهْرٍ، بَلْ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

 

مَا أَرْحَمَكَ يَا رَبَّنَا بنَا! جَعَلَتْ لَنَا كُلَّ سَنَةٍ مَوْسِمًا تُضَاعِفُ لَنَا فِيهِ أَجْرَنا، وَتَجْبُرُ نَقْصَنَا، وَتُعِيْنُنَا عَلَى أَنْ نَتَفَوَّقَ عَلَى أَنْفُسِنَا، لِتَعْظُمَ ثَرْوَتُنَا مِنْ اَلْحَسَنَاتِ وَالْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَاتِ، لِنَفْرَحَ بِهَا يَوْمَ نَلْقَاكَ. نَحْمَدُكَ يَا رَبَّنَا وَنَسْتَغْفِرُكَ.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
* كود التحقق
 
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة