الطفل بين الطليقين
الطفل بين الطليقين
Whatsapp
Facebook Share

الطفل بين الطليقين

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

يخفق الزوجان في حالات كثيرة، في جعل زواجهما ناجحاً، وحياتهما الزوجية سعيدة، فينتهي الأمر بهما إلى الطلاق والفراق.. وبالطبع المتحابون لا يفترقون، فلابد من مشاعر السخط، والاستياء، والغيظ، واللوم، للطرف الثاني؛ لأن كلا الزوجين يعاني مرارة الطلاق، والشعور بالإخفاق، والإنسان يميل دائماً إلى الدفاع عن نفسه، وإلقاء اللوم على الآخرين. البعض حريص على الحق والعدل كثيراً، ولديه الجرأة على الاعتراف بخطئه، ودوره في المشكلة، لكن، قلما يكون السبب محصوراً في أخطاء أحد الزوجين دون الآخر، إذ لا بد من أخطاء من الزوج الآخر، حتى يصلا إلى الطلاق. إذن لا غرابة في أن يكون لدى كل من الطليقين، مشاعر الحقد والكراهية للطرف الآخر، وهذا لا يهم لو أن علاقتهما تنتهي بالطلاق نهاية تامة، لكن في أغلب الأحيان هنالك أطفال يجعلون العلاقة بين الطليقين مستمرة مدى الحياة.

 

والمصيبة الكبرى تقع، عندما يسعى الأب والأم، لاستخدام الأطفال وسيلة لمعاقبة الطرف الآخر والانتقام منه.. إما بحرمان الطرف الآخر من رؤية أطفاله حرماناً كاملاً، كي يحرق قلبه كما يقال، أو على الأقل، أن يشحن الأطفال ضد والدهم الآخر، ويجعلهم يرونه، شخصاً بغيضاً ومخيفاً، ويجعلهم ينظرون نظرة شك وريبة، لكل محاولاته للتقرب إليهم، كالطفلة الصغيرة، التي خافت أن تأكل حلوى قدمها لها أبوها، خشية أن تكون مسمومة!. إن الطرف الذي يكون الأطفال عنده، يمارس سلطة خطيرة على عقولهم ومشاعرهم، ويحاول إقناعهم أنه الوحيد المحب لهم، والحريص عليهم، بينما الأب الآخر، إنسان سيءٌ، وشريرٌ، وحريصٌ على أذاهم.

 

الآباء والأمهات الذين يفعلون ذلك، لا يعلمون أهمية أن يكون لدى الطفل والمراهق فكرةً حسنةً عن والديه كليهما، كي تتكون شخصيته متوازنةً نفسياً، فالإنسان مخلوق كي يتربى بين والدين اثنين، أبٌ وأمٌّ، ولو أنه يستطيع البقاء، إن فقد أحد أبويه ورعاه الآخر، لكن للنفس حاجة لأن يكون هنالك أب آخر، يعرفه الإنسان، حتى لو كان قد مات من قبل أن يولد هو، وهذا واضح في المحاولات، التي لا تعرف الكلل، ولا اليأس، التي يقوم بها الذين يكتشفون أنهم أبناء تبني، ليعرفوا آباءهم وأمهاتهم الحقيقيين. ونفس الطفل والمراهق تتأذى كثيراً إن كان يظن أن أحد والديه شرير أو أنه لا يحبه.

 

إن الإنسان يحتاج أن يحس أنه كان مرغوباً به من والديه، ومحبوباً منهما كليهما. إذ ما أصعب أن يعلم الطفل، أن أباه لا يحبه، بل يكرهه، ويتعمد إيذاءه. ثم هنالك الحاجة النفسية، لأن يرى الطفل أباه وأمه، إنسانين يستحقان الإعجاب والاحترام، لا شخصين بغيضين، يستخزي الإنسان أن يكون من نسلهما. ومن ناحية أخرى يحتاج كل طفل ومراهق، لصورة مشرقة لأبويه، حتى لو كان أحدهما دون مستوى هذه الصورة... إن الوهم أن أباه الغائب إنسان صالح، وهم مفيد جداً لنفسيته وشخصيته، مع أن الأصل، أن الحقيقة هي الأحسن، إلا في هذه الحالة، فكيف إن عكست الأمور، وزرعنا في عقل الطفل وهماً كاذباً، أًن أباه الآخر عدوٌّ له؟ إن الذي يموت أبوه، أو تموت أمه، لكنه يحتفظ في عقله، بصورة مشرقةٍ لهما، لا يتأثر نفسياً ذلك الأثر، الذي يتأثره من يعتقد، أن أحد أبويه عدو له، أو شخص بغيض، لا يتمناه أحدٌ أباً له، من كثرة عيوبه، وسوء طباعه.

 

إن الإنسان في طفولته ومراهقته، يرى في والديه، القدوة والنموذج والمثال، فيتشبه بهما، ويقلدهما، ويأخذ عنهما، القيم، والأخلاق، وطرق السلوك، كما يتعلم منهما كيف يكون الابن رجلاً، أو كيف تكون الابنة امرأة.

 

إننا نتعلم كل شيء في الحياة تعلماً، ونحتاج إلى وسيلة إيضاح، تتجسد فيها القيم والمعاني، والخصال الضرورية لنتكون تكويناً سوياً.. فالصبي يتعلم من أبيه كيف يكون رجلاً، لكنه ليس في غنىً عن أمه، التي يتعلم منها خصالاً أًنثوية، لن تكتمل شخصيته من دونها، مثل الرحمة واللطف والمروءة وغيرها، وكذلك البنت، التي تتعلم من أمها، كيف تكون امرأةً، وكيف تكون أماً وزوجةً، لا تستغني عن أبيها، الذي تتعلم من شخصيته، وتقتبس صفاتٍ وخصالاً، تكون في العادة شديدة وبارزة عند الرجال، دون أن تخلو منها النساء، مثل الموهبة القيادية، والحزم، والاستقلالية، وغير ذلك من صفات. ولن يتعلم الطفل من أبويه شيئاً، إلا إن كان يحبهما، ومعجباً بهما، في النواحي التي يقتبسها من شخصيتيهما.. والطفل الذي يرى أحد والديه عدواً له ويراه شخصاً تتجسد فيه جميع العيوب المنفرة، ويراه مسؤولاً عن معاناته ومعاناة أمه بعد الطلاق، يكون هذا الطفل محروماً، من النموذج الذي يقتبس منه تلك الصفات، الضرورية لبناء شخصيته قوية متوازنة.

 

إن كان الوالدان يحبان أولادهما حباً حقيقياً، فعليهما أن يتغلبا على مشاعر الغيظ والحقد والكراهية، التي تملأ نفسيهما عادةُ نحو بعضهما بعضاً، وعليهما المغفرة والمسامحة، كي يتمكنا من مساعدة أطفالهما على محبة الوالد الآخر، لما لهذا الحب والإعجاب من أهمية تربوية ونفسية. إن محبة الأطفال للوالد الآخر ليست خدمة نسديها له، وبالتالي قد لا نراه جديراً بها، وبخاصة بعد إساءاته لنا، إنما هي خدمة عظيمة نسديها لأطفالنا، لأننا مهما عملنا، سيبقى للطفل والد آخر، الطفل في حاجة له، ولو كذكرى طيبة، وصورة حلوة، لأب محب، حتى لو كانت الحقيقة، غير ذلك. إنه لا بد أن نضحي من أجل أطفالنا، بدل أن نضحي بهم، وبنفسياتهم، كي نصفي الحساب ما بيننا.. إنهم أمانة عندنا وهم أغلى الناس علينا ويستحقون منا كل ما نقدمه لهم.

Copyright 2017 ©. All Rights Reserved.