فلنحذر سوء الظن
فلنحذر سوء الظن
Whatsapp
Facebook Share

فلنحذر سوء الظن

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

إن مما يدعو إلى الغيظ، أن يشعر الإنسان أن أحداً ما يحاول خداعه والكذب عليه، فيقول في نفسه: لو أنه احترمني، ووقرني، ولم يعتبرني غبياً يسهل خداعي، لما حاول أن يخدعني، ولما كذب علي... وهذا صحيح، إذ من الصعب على الإنسان أن يغش ويخدع، ويكذب على من يكن له الاحترام والتوقير، ولا بد له من أن يحتقره ويستخف به حتى تطاوعه نفسه على خداعه والكذب عليه.

 

لكن هذا لا ينطبق على الأطفال... فالطفل دون الثانية عشرة من عمره، لا يدرك معنى الاحترام أو الاحتقار بالشكل الذي يدركه الكبار، إذ ما زالت أمثال هذه المفاهيم فوق قدرته على الإدراك، ولهذا فإن الطفل عندما يكذب على الكبير، ويحاول خداعه، لا يفعل ذلك، لأنه يحتقره ويستخف به، إنما هو قد تعلم حيلة وطريقة ينجي بها نفسه من عقوبة متوقعة، أو يحصل بها على ما يريد، فتراه عندما تنجح حيلته، أو تنطلي علينا كذبته، يشعر بالسرور والرضا عن نفسه، لأنه استطاع أن يخدعنا، وهذا يعطيه إحساساً بالاقتدار، وذلك مما يسعده.

 

لكن الكبير الذي يتعرض إلى خداع الطفل له أو كذبه عليه، إن لم يكن مدركاً لحقيقة أن الطفل ما زال دون مستوى إدراك معاني التبجيل أو الاحتقار، يظن أن طفله يستخف به، ويزدريه، عندما يجرؤ على خداعه، فيغتاظ، ويغضب، ويعاقب الطفل بقسوة، انتقاماً لكرامته التي يتصور أنها أهينت، وقد يبرر قسوته على الطفل بأن الطفل الذي كذب، قد ارتكب حراماً، ويكون غافلاً  عن رغبته هو في الثأر للإهانة التي تصور أن الطفل قد ألحقها به.

 

إن الظن أن الذي يحاول خداعنا دائماً يفعل ذلك استخفافاً بنا ظن مقبول إن كان المخادع بالغاً راشداً، ومع ذلك علينا ألا نحكم بالشك والظن، إنما نأخذ حذرنا منه، ولا نتعامل معه وكأننا متأكدون من أنه يريد خداعنا، وأنه يستخف بنا، فالمؤمن لا يمشي وراء الظن.

 

قال النبي محمد ﷺ: "إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ،..." (رواه البخاري).

 

وإن تبين لنا أن شخصاً ما حاول خداعنا فنحن مدعوون إلى أن نكظم غيظنا، ونعفو عنه، ونحمد الله أنه لم يمكنه من خداعنا، بدل أن نغضب ونثور. ولكن نبقى على حذر من هذا المخادع، فقد قال النبي محمد ﷺ: "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ.(رواه مسلم).

 

ومن الحالات المشابهة التي يتولد فيها الغيظ دفاعاً عن الكرامة ضد إهانة متصورة، حالة الغيظ الذي يولده الشك في قلب الزوجة إن شكت بعدم إخلاص زوجها لها، فتراها مغتاظة لإحساسها أنها مخدوعة، ولخوفها على مكانتها في نظر الآخرين، ولتفكيرها فيما تقوله المرأة الأخرى عنها وهي تنظر إليها على أنها غبية مخدوعة، وكذلك مشاعر الغيظ التي تتولد عند زوج زائد الغيرة، يشك في زوجته.

 

لكن المؤمن إن تأكد من أن الزوج أو الزوجة واقع في الحرام، يغيظه وقوع من يحب في الحرام والمعصية بالدرجة الأولى، ثم إنه لا يتبع وساوس الشيطان، فيشك دون مبرر قوي، فقد قال النبي محمد ﷺ: "إنَّ مِن الغَيْرةِ ما يُحِبُّ اللهُ، ومنها ما يُبغِضُ اللهُ،... وأمَّا الغَيْرةُ التي يُحِبُّ اللهُ فالغَيْرةُ التي في الرِّيبةِ، وأمَّا الغَيْرةُ التي يُبغِضُ اللهُ فالغَيْرةُ في غَيرِ الرِّيبةِ،...(رواه أبو داود والنسائي وأحمد).

 

إن المسلم يحسن الظن بإخوانه دائماً، مع أن في حسن الظن هذا مخاطرة بأن يخدع أحياناً، لكن تعرضه للخداع أحياناً قليلة أرحم وأطهر لقلبه من أن ينظر بالشك والريبة دائماً، ويعتبر الآخرين جميعهم موضع اتهامه، وبالتالي لا يطمئن إليهم، ولا يثق بهم، ولا تتعمق مودته لأحد منهم، وكيف تحب من تخشى غدره وأنت منه دائماً على حذر؟!.

Copyright 2017 ©. All Rights Reserved.