آليات الدفاع النفسي
آليات الدفاع النفسي
Whatsapp
Facebook Share

آليات الدفاع النفسي Defence Mechanisms

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

أ- الدفاعــات الذهانيــة Psychotic Defenses

  1. الإسقاط التوهمي Delusional Projection
  2. الإنكار الذهاني Psychotic Denial
  3. التشويه Distortion

ب- الدفاعـات غير الناضجــة Immature Defense

  1. الإسقاط Projection
  2. الخيال الفصاماني (الخيال الشبيه بالفصام) Schizoid Fantasy
  3. المراق Hypochondriasis
  4. السلوك العدواني السلبي Passive-Aggressive Behavior
  5. الفعل الزللي أو الإنفاذ Acting out
  6. الفصال أو الفكاك Dissociation

ج- الدفاعــات العصابيـــة Neurotic Defenses

  1. الكبـت Repression
  2. الإزاحـة Displacement
  3. تكوين رد الفعل (أو تكوين الرجع) Reaction Formation
  4. العقلنة Intellectualization

د- الدفاعــات الناضجـــة Mature Defenses

  1. الإيثار أو الغيرية Altruism
  2. المزاح أو الدعابة Humor
  3. الكظم Suppression
  4. التوقع Anticipation
  5. التصعيد Sublimation

 

آليات الدفاع النفسي هي حيل تقوم بها النفس لتجنُّب الألم النفسي أو الصراع النفسي الذي يمكن أن ينشأ عن مواجهة بعض المشاعر أو الأفكار أو النـزوات أو الإدراكات أو الذكريات، فتقوم النفس بحيل لا شعورية لا يكون الفرد عادة منتبهاً إليها تجنبه هذه المواجهة والمعاناة النفسية التي يمكن أن تنشأ عنها، وهي حيل مفيدة للتوازن النفسي والصحة العقلية للإنسان، لكنها إن كان مبالغاً فيها أو نمت في العمر الذي لا يناسبها، حيث لكل عمر آلياته الدفاعية المناسبة، فإنها في هذه الحالات تصبح مشكلة بدلاً من أن تكون حلاً، وتتسبب بمعاناة قد لا تقل شدة عن المعاناة التي أرادت النفس تجنبها.

 

وهناك بعض الاختلافات بين العلماء في تعريف بعض هذه الآليات أو تصنيفها، ونختار الذي أورده George E. Vaillant في كتابه:

 

Ego Mechanisms of Defense

A Guide for Clinicians and Researchers

الذي صدر لأول مرة عام 1992 عن ال

American Psychiatric Press, Inc

 

أ- الدفاعــات الذهانيــة Psychotic Defenses:

 

وهي آليات شائعة عند الأشخاص الطبيعيين في السنوات الخمس الأولى من العمر، وكذلك شائعة عند الكبار في أحلامهم وتخيلاتهم ومناماتهم.

 

وهي ثلاث آليات نجدها عند المرضى الذهانيين عادة:

 

1- الإسقاط التوهمي Delusional Projection

 

حيث يكوّن الإنسان توهمات delusions عن الواقع الخارجي المحيط به، وهي غالباً ما تكون توهمات اضطهادية (Persecutory).

 

وهنا يرى الإنسان ويدرك مشاعره غافلاً عن وجودها في نفسه، حيث يبعدها عن شعوره فلا يحس بها وينسبها إلى الآخرين ويتصور وجودها فيهم، ومثالها أن ينسب الإنسان مشاعر العداء التي لديه تجاه الآخرين إليهم، فيشعر أنهم هم الذين يعادونه ويكرهونه ويريدون إيذاءه أو قتله، أو أن ينسب ميوله ورغباته الجنسية المتوجهة في الأصل إليهم، ينسبها إليهم ويتهمهم بأنهم هم من يريد أن يعتدي عليه جنسياً.

 

2- الإنكار الذهاني Psychotic Denial

 

وفي هذه الآلية تنكر النفس وجود واقع خارجي يزعجها جداً الاعتراف به والإحساس به، فتصر على ما هو مخالف له لكنه مريح لها، كالتي تتوهم أن زوجها الذي هي كارهة له إنما هو شخص آخر في قناع زوجها وترفضه على أساس هذا الوهم.

 

إن هذه الآلية تتضمن استخدام الخيال كبديل أساس عما هو مفقود ومرغوب به، ومن الأمثلة أيضاً امرأة عاشت على وهم أن أباها ذهب إلى الحرب وفُقِدَ ولم يرجع لكن الأمل برجوعه ما زال قائماً بعد السنين الطويلة، علماً أنها كانت أول من رآه مضرَّجاً بدمائه يوم أن قتل نفسه بمسدسه.

 

3- التشويه Distortion

 

حيث تقوم النفس بإدراك الواقع مشوّهاً ليكون أكثر ملاءمة لاحتياجاتها الداخلية، وتتضمن هذه الآلية: توهمات العظمة غير الواقعية، والهلوسات بكافة أشكالها، والتوهمات التي تحقق الرغبات (توهم الحمل أو ما يسمى الحمل الكاذب عند امرأة عاقر، أو توهم العشق أو الزواج من قبل شخص هام بينما الواقع المرير أن صاحب الوهم لا أمل له بمثل هذا الحب أو الزواج…)

 

وكذلك توهم التفوق على الآخرين في الذكاء أو غيره من المواهب والقدرات والتعالي عليهم وتصور الحسد منهم أو المحاربة له، بشكل يتضح فيه أن توهماته هذه غير منطقية، وقد تتضمن هذه الآلية الإنكار المستمر للمسؤولية عن سلوك معين وقع فيه مع تصديق نفسه في هذا الإنكار والإيمان به، وتتضمن أيضاً الانشغال بالوساوس والأفعال القهرية والتصرف في الحياة بمقتضاها.

 

وفي آلية التشويه قد يحصل اعتقاد ممتع للمريض بوجود اندماج بينه وبين شخص آخر كالذي يتوهم أن المسيح قد حل فيه ويلبي له رغباته.

 

والدفاعات الذهانية الثلاثة هذه تبدو لصاحبها كحقيقة وواقع، لكنها تبدو للناس كجنون، وهي لا تستجيب للتفسير الذي يقوم به المعالج النفسي من أجل تبصيره بها وبدوافعه إليها، إنما قد تتحسن بالأدوية أو بتغير الظروف وارتفاع الضغوط النفسية عن المريض.

 

ب- الدفاعـات غير الناضجــة Immature Defense

 

وهي دفاعات شائعة في الأشخاص الطبيعيين الذين أعمارهم بين 3-15 سنة، وكذلك في المصابين باضطرابات الشخصية، وقد يقع فيها الكبار الآخرين عندما يكونون تحت العلاج النفسي.

 

وهي ستة دفاعـات:

 

1- الإسقاط Projection

 

حيث ينسب الإنسان مشاعره التي لا ترغب نفسه بالاعتراف بوجودها فيها ولا بالإحساس بها، ينسبها إلى غيره، لكن دون أن يصل الأمر إلى حد الذهان والتوهمات. ويتضمن الإسقاط: التمييز الشديد ضد الآخرين (على أساس عنصري أو غيره)، ورفض العلاقات الحميمة (على أساس الشك والارتياب الذي لا مبرر له)، والحذر المفرط من الأخطار الخارجية المتوقع حدوثها بفعل الآخرين. وقد تتظاهر أحياناً ليس بنسبة المشاعر إلى الآخرين وإنما من خلال التصرف وكأن جزءاً هاماً من النفس محتوىً وموجوداً في الآخرين، فعلى سبيل المثال، فإن الأم التي تتعامل -دون وعي منها أو شعور- مع الجزء المحروم الطفولي في نفسها من خلال رعايتها لطفلها، فإنها قد تدلـله وتفسده وتمنع نضجه ونمو الاستقلالية لديه لأنها تتصور أنه بحاجة إلى إشباع رغبات، هي في الأصل رغباتها هي التي لم تشبع عندما كانت طفلة وما زال لديها الجوع إليها، فتشبعها عن طريق تدليله، وهذا السلوك يريحها من المعاناة النفسية الناتجة عن جوعها إلى الاعتماد على الآخرين والعاطفة منهم، فهي ترى في الطفل جزءاً من نفسها، هي تتصوره جزءاً من نفسه هو.

 

2- الخيال الفصاماني (الخيال الشبيه بالفصام) Schizoid Fantasy

 

وهو الميل إلى استخدام الخيال والانغماس في انسحاب ذُواتي autistic بهدف حل الصراع النفسي الذي تفر النفس منه، أو بهدف الإشباع لرغبات نفسية مُحْبَطة.

 

يترافق الخيال الفُصامي مع تجنب شامل لِلْحِمَّة Intimacy (أي القرب العاطفي الدافئ) مع الآخرين، وكذلك مع استخدام الغرابة eccentricity لدفع الآخرين بعيداً، وعلى الخلاف مع الإنكار الذهاني فإن الشخص هنا لا يؤمن إيماناً كاملاً بخيالاته ولا يصر على التصرف بمقتضاها. ومع ذلك فإن الخيال الفصاماني يختلف عن مجرد التمني بأنه هو ذاته يقوم بإشباع الحاجات النفسية غير المتحققة في مجال العلاقات مع الأشخاص الآخرين، ويقوم أيضاً بطمس التعبير الصريح عن النزوات العدوانية أو الجنسية نحو الآخرين.

 

ومن أمثلته أن يكون للشخص صديق أو حبيب وهمي، يعرف الشخص أنه وهمي لكنه يندمج مع هذا الوهم ويتمتع به وكأنه حقيقة للتعويض عن حرمانه في الواقع من علاقة حقيقية لا يتحملها بسبب خبراته السابقة أو طبيعته التي تجعله يتخوف القرب العاطفي الدافئ (الحِمَّة Intimacy).

 

3- المراق Hypochondriasis

 

في هذه الآلية الدفاعية تعجز النفس عن الشعور باللوم الذي لديها للآخرين الذين تعتبرهم مسؤولين عن معاناتها وهجرها إذا ماتوا أو نبذوها، كما تعجز عن الشعور الواعي بالعداوة والرغبات العدوانية تجاههم فتقوم في المرحلة الأولى بتحويل ذلك اللوم وتلك الرغبات العدوانية إلى نفسها، ثم يتحول لوم النفس إلى شكاوى من الألم والأمراض الجسدية والوهن العصبي neurasthenia.

 

وتتضمن آلية المُراق نوعاً من الاستدماج Introjection حيث تستدمج النفس بعض صفات شخص لديها نحوه مشاعر متناقضة ambivalent تجمع الحب والكره، وباستدماج بعض صفاته تشعر النفس بهذه الصفات فيها هي وأنها تسبب لها المرض، كالذي يتوهم مرض القلب بعد وفاة أبيه بمرض القلب أو التي تتوهم السرطان بعد ظهوره في أمها، وعلى عكس الحال في التوحد Indentification فإن استدماجات المراق تبدو للنفس غير مرغوبة وغريبة عنها، بينما استدماجات التوحد تكون مقبولة من النفس ومعتبرة جزءاً طبيعياً منها.

 

إن آلية المُراق تسمح للشخص أن يهاجم belabor الآخرين بآلامه وانزعاجه عوضاً عن أن يواجههم بمتطلباته بشكل مباشر وصريح أو عوضاً عن الشكوى الصريحة منهم حيث يرى أنهم يتجاهلون رغباته الاعتمادية التي لا يعبر عنها عادة، إنما هي قائمة في نفسه ويرى الآخرين مقصرين في تلبيتها فيسخط عليهم ويعاقبهم بواسطة آلامه التي لا تنتهي، وإشعارهم بالعجز عن شفائه وإراحته مما يسبب لهم الإحباط. إن آلية المراق لا تتضمن أمراضاً مثل الربو أو القرحة أو ارتفاع التوتر الشرياني (ارتفاع ضغط الدم)، هذه الأمراض التي يمكن لها أن تكون لا دفاعية ولا تكيّفية. وعلى النقيض من الهستيريا التحويلية التي تتميز غالباً بلا مبالاة الحسناء La belle indifference حيث يمكن أن ترى شابة مشلولة لكنها مبتسمة ومرحة وكأنها سليمة معافاة، فإنه في آلية المراق يكون السلوك الأساسي هو كثرة الشكوى من الأعراض والمبالغة فيها.

 

4- السلوك العدواني السلبي Passive-Aggressive Behavior

 

في هذه الآلية يتم التعبير عن العدوان تجاه الآخرين بطريقة غير مباشرة وغير مؤثرة عن طريق السلبية Passivity.

 

يتضمن هذا السلوك الإخفاقات والمماطلة والتسويف Procrastination، والأمراض التي تؤثر على الآخرين أكثر مما تؤثر على صاحبها إذ تؤدي إلى الإضرار بهم من خلال عجز صاحبها عن الحضور أو القيام بما يريدون منه القيام به. ويتضمن السلوك العدواني السلبي أيضاً السلوك الاستفزازي أو السخيف بقصد الحصول على الانتباه، وكذلك التهريج بقصد تجنب اتخاذ دور منافس للآخرين.

 

وإن الأشخاص الذين يدخلون في علاقات سادية مازوكية غالباً ما يظهر عليهم آلية المراق وآلية السلوك العدواني السلبي.

 

5- الفعل الزللي أو الإنفاذ Acting out

 

وهو التعبير المباشر عن رغبة لا شعورية أو نزوة بارتكاب الفعل الذي تدعو إليه وذلك من أجل تجنب الإحساس الواعي بالعاطفة التي تصاحب هذه الرغبة أو النـزوة حيث قد تكون هذه العاطفة شعوراً بالذنب أو الحرمان والإحباط، فيلجأ الشخص إلى التصرف حسب أهوائه وينساق معها دون تردد أو تفكير، لأن أي تفكير وتردد سيعني إحساسه بحرمته ووجوب الامتناع عنها وسيعني الشعور بالذنب والحرمان والإحباط، فهو يهرب من هذه المشاعر إلى السلوك المنحرف الذي يحقق له شهواته وأهواءه.

 

ويتضمن الإنفاذ أو الزّلَل استخدام السلوك الحركي والأفعال الاندفاعية والجانحة ونوبات الغضب، ويتضمن تعاطي المخدرات والخمور والمنبهات الضارة بالعقل وكذلك إيذاء النفس للتخلص من التوتر النفسي الناتج عن تأجيل التعبير عن هذه النـزوات.

 

6- الفصال أو الفكاك Dissociation

 

يعالج الشخص هنا صراعاته النفسية أو يواجه الضواغط Stressors الداخلية أو الخارجية عن طريق حدوث تفكك في وظائف الوعي Consciousness التي تكون عادة مندمجة ومتكاملة Integrated، أو بانهيار في الذاكرة أو إدراك الذات أو إدراك البيئة أو السلوك الحسي الحركي، أو اتخاذ هُوية أخرى بشكل مؤقت…

 

وهذا التغير في الشخصية أو في الهوية لتجنب الضغوط النفسية الذي يكون عادة تغيراً عنيفاً هو تغير مؤقت وليس دائماً.

 

ويشمل الفُصال على الشُراد Fugue، حيث يسافر المريض فجأة بعيداً عن بيته وهو غير قادر على تذكر ماضيه ويشعر بلُبْسٍ Confusion وتشوش في هويته أو يتخذ هوية جديدة.

 

ويشمل الفُصال أيضاً على النَسَاوَة (فقد الذاكرة) الفصالي dissociative amnesia حيث يتم فصل ذكريات مؤلمة نفسية أو مثيرة للصراع النفسي، يتم فصلها عن الوعي ويعجز المريض عن تذكرها مع أنه ما زال يتمتع بذاكرة طبيعية في الأمور الأخرى.

 

ويشمل أيضاً على حالات الابتهاج الديني كما في الحَضْرات وما شابه، وكذلك على الجرأة المفرطة بدل الخوف والقلق حيث يهرب الشخص من خوفه من الخطر باقتحام الخطر بجرأة غير عادية ولا مبالاة بهذا الخطر.

 

ويشمل أيضاً فصل وظائف معينة عن الوعي مثل العمى أو الصمم الهستيري حيث الحواس ومراكز الدماغ سليمة لكن الشخص لا يرى ولا يسمع، ذلك أنه يفصل ما يصله من إدراكات بصرية أو سمعية عن الوعي فيكون بذلك أعمى أو أصمّاً بآلية فُصالية غير عضوية.

 

ويشمل كذلك ما يسمى تَبَدُّدَ الشخصية depersonalization كأن يحس الشخص أنه منفصل عن تفكيره أو عن جسمه وكأنه يحلم أو كأنه شخص آخر يراقب نفسه من خارجها.

 

ويشمل فصل بعض القدرات الحركية عن الوعي حيث يعاني الشخص من الشلل أو الخرس مثلاً لا لأن الجسم مصاب بأي خلل بل لأن هذه الوظائف فُصلت عن الإرادة الواعية وصار الشخص عاجزاً عن تحريك ساقه إرادياً على سبيل المثال، لكن لو تعرضت هذه الساق لإيلام شديد فإنها تتحرك وتهرب من مصدر الألم، لأن مثل هذه الحركة تتم لا شعورياً بشكل انعكاسي ولا تنتظر الأوامر من الوعي.

 

وعموماً فإن الإنسان قد يلجأ إلى الدفاعات غير الناضجة المذكورة أعلاه كي يخفف من الانزعاج الناتج عن التهديد الذي يستشعره من العلاقات الحميمة أو من خوفه من فقدها. وهذه الدفاعات غير مقبولة ولا محبذة من الآخرين، ومع أنها دفاعات مُعَنِّدَةٌ على التغيير لكنها تتغير بتحسن العلاقات بين الشخص والآخرين من خلال نضجه مع التقدم في العمر أو بفضل قرين أكثر نضجاً (زوج أو زوجة) أو طبيب واعٍ… وكذلك تتحسن عن طريق التفسير القوي المتكرر الذي يواجه به المريض خلال علاج نفسي طويل.

 

ج- الدفاعــات العصابيـــة Neurotic Defenses

 

وهي آليات شائعة في الأشخاص المعافين healthy الذين تتراوح أعمارهم بين 3-90 سنة، وفي الأشخاص المصابين باضطرابات عصابية والأشخاص الذين يقومون بالتغلب على الضغوط التي يتعرض لها الراشدون عادة.

 

وهي أربع آليــــات:

 

1- الكبـت Repression

 

وهنا يتم نفي فكرة أو شعور من الوعي إلى اللاوعي، والكبت الأولي: هو عندما لا يتم السماح للفكرة أو العاطفة المعينة بأن تصل إلى الشعور أبداً، أما الكبت الثانوي فيكون بإبعاد فكرة أو شعور كانا في الشعور في وقت من الأوقات. وما هو مكبوت ليس منسياً، بل قد يظهر من خلال سلوك رمزي يدل عليه. ويختلف الكبت عن الكظم حيث في الكظم تبقى الأفكار والمشاعر في الوعي لكن يتم تأجيل التعبير عنها أو إشباعها إلى وقت آخر، بينما في الكبت يتم إزالتها من الوعي تماماً فلا يعلم الشخص بوجودها في نفسه، إن الكبت ليس تحكماً شعورياً بالغرائز، بل هو منع للشعور بها أو إدراكها إدراكاً واعياً.

 

ومقارنة بآلية العقلنة والعزل التي سيأتي الكلام عليها حيث تبقى الفكرة أو الذكرى لكن يتم كبت المشاعر المرافقة لها فإنه في الكبت يكون العكس في أغلب الأحيان، حيث يتم كبت الفكرة أو الذكرى (ونسيانها من الشعور) وتبقى العاطفة المصاحبة لها لكن الشخص لا يعرف سبب هذه العاطفة كالذي يحس بالقلق ولا يدري لقلقه سبباً.

 

وخلافاً للإنكار الذي يكون إنكاراً لأشياء خارج النفس ترفض النفس إدراكها إدراكاً واعياً، فإنه في الكبت يتم رفض إدراك أشياء من داخل النفس ويتم إبعادها إلى اللاشعور. فلو بكى شخص وهو لا يدري لم يبكي فإنه قد يكون في حالة كبت نسي فيها فكرة أو ذكرى تستدعي بكاءه، لكن لو أنكر حدوث وفاة عزيز مثلاً فإن ذلك يكون إنكاراً لا كبتاً، ولو قبل عقلياً بالخبر وأنكر إحساسه بالحزن فإن ذلك يكون فُصالاً.

 

2- الإزاحـة Displacement

 

وهنا يتعامل الشخص مع الصراع النفسي أو الضغوط الداخلية أو الخارجية بتحويل المشاعر أو الأفعال التي لا يستطيع توجيهها إلى من يستحقها بتحويلها نحو شخص آخر بديل يكون أقل تهديداً للشخص. فالذي يهينه رئيسه في العمل مثلاً ولا يستطيع رد الإساءة لأنه لا يتحمل عواقب ذلك، قد ينفجر غاضباً في وجه زوجته بسبب غلطة تافهة، وهو غير واعٍ لحقيقة أن غضبه الأصلي هو من رئيسه لا من زوجته.

 

ومن أمثلة الإزاحة التمييز العنصري والقومي وصب الغضب على الأقليات عند مرور بعض الشعوب بظروف معيشية صعبة.

 

وكذلك من أمثلتها أن يزيح الشخص غضبه من نفسه عند شعوره بالذنب لأنه ظلم شخصاً آخر، فيزيح هذا الغضب نحو الضحية نفسها مما يزيد الأمر سوءاً، فالأب الذي يعاقب طفله بقساوة ويستشعر الذنب قد يزداد غضباً من طفله ويعاقبه أكثر ليهرب من شعوره بالغضب من نفسه ومن لومه لنفسه لأن إحساسه بالذنب كان أشد مما يتحمل، وقد يزيح هذا الغضب نحو زوجته أو نحو طفل آخر لا ذنب له، وهذا مثال على التعامل مع ضغط نفسي داخلي من خلال آلية الإزاحة.

 

3- تكوين رد الفعل (أو تكوين الرَّجْع) Reaction Formation

 

ورد الفعل هو فعل باتجاه معاكس وبشدة مساوية لشدة الفعل الأصلي، وهو مفهوم من علم الميكانيك استخدم ليصف آلية دفاعية يقوم الشخص خلالها بالتصرف والتعبير عن مشاعر ونزوات بما يناقضها تماماً، فالأم النابذة والرافضة لطفلها والتي لا تتحمل أن تحس بهذا الرفض لطفلها على مستوى الشعور تقوم بسلوك هو عكس المتوقع، إذ تُفْرِطُ في رعاية هذا الطفل وحمايته وتدليله، ومن أمثلتها أن يرفض الشخص أية مساعدة من الآخرين لأنه لا يتحمل أن يحس بشكل شعوري بالضعف والاحتياج، فتراه يصر على الاعتماد على نفسه بشكل مبالغ فيه.

 

ومن أمثلته أن يحب الشخص من يُفْتَرَضُ أن يكره لا أن يحب، لأنه لا يحتمل حتى مجرد أن يعيش هذا الكره ولو بمشاعره فقط لما يسببه ذلك له من صراع نفسي.. وكذلك قد يكره وينفر ممن يفترض أن يحب وينجذب إليه.

 

إنه بدل أن يقوم بالفعل، يقوم برد هذا الفعل، هروباً من الصراع النفسي أو الألم النفسي الذي يسببه الوعي بالشعور أو الرغبة الأصلية.

 

4 – العقلنــة Intellectualization

 

وهذه آلية مرتبطة جداً بعملية التبرير Rationalization والعزل Isolation، حيث يتخلص الشعور من المشاعر الناتجة عن فكرة أو حادثة أو ذكرى أو نزوة أو غريزة ويتعامل معها الشخص بعقله فقط لا بقلبه، فيتحدث عن مشكلة يجب أن تثير فيه أشد المشاعر، يتحدث عنها كما لو كان يبحث أمراً عملياً لا يخصه هو شخصياً، وأحد الأمثلة قيام رجل بكتابة بحث عن مشكلات المراهقة وكيفية التعامل معها عندما واجه سلوكاً زللياً شديد الخطورة قامت به ابنته المراهقة، فبدل أن يحس بالقلق والغيظ والحزن يقوم بشغل نفسه بالأفكار العقلية ببرود عاطفي لا يتناسب مع الموقف.

 

ومن أمثلتها أن يهتم الشخص بالأشياء غير الحية ليتجنب الحِمَّة Intimacy مع البشر، أو أن يهتم بالعالم من حوله لينسى مشاعره، أو أن يهتم بتفصيلات لا أهمية لها ليتجنب الاهتمام بالأمر ككل.

 

وعموماً فإن هذه الدفاعات العصابية الأربعة تقوم بتغيير مشاعر الشخص أو تعبيره عن غرائزه، بينما تبدو للآخرين كصفة أو مشكلة عصابية خاصة بهذا الشخص، وهذه الآليات الدفاعية غالباً ما تتغير بشكل كبير بالتفسير خلال علاج نفسي قصير.

 

د- الدفاعــات الناضجـــة Mature Defenses

 

وهي آليات شائعة لدى الأشخاص المعافين من عمر 12-90 سنة. وهذه الآليات تَدْمُجُ وتُكامِلُ الواقعَ والعلاقاتِ مع الآخرين والمشاعر الخاصة وذلك بالنسبة لمن يراها في غيره فهي فضائل مستحبة، لكن تحت وطأة الضغوط الشديدة قد يتراجع الإنسان عن هذه الدفاعات الناضجة إلى آليات أقل نضجاً.

 

والآليات الدفاعية الناضجة خمس هي:

 

1- الإيثار أو الغَيْرِيَّة Altruism

 

حيث يكرس الشخص نفسه لتأمين احتياجات الآخرين وإشباعها وذلك ليشبع رغباته هو وغرائزه من خلال إشباعه لرغبات غيره وغرائزهم، أي هو إشباع بالنيابة، لا يسبب له أي صراع نفسي لأنه قد يكون لديه ما يمنعه من أن يسمح لنفسه بهذا الإشباع، فيسعد بإشباع غيره، أو قد يستمتع برد فعلهم على سلوكه ويكون ذلك بمثابة إشباع لحاجاته النفسية.

 

إن هذا التحليل لإيثار الإنسان الآخرين على نفسه يركز على الجانب الأناني في هذا السلوك حيث يفترض أن الإنسان لا يفعل ذلك إلاّ لإشباع رغباته هو، وهذا التحليل لا يستوعب السلوك الإيثاري الذي يقوم به الإنسان إرضاء لرب العالمين حيث لا يريد ممن تلقى الإيثار جزاءً ولا شكوراً، وحيث يقدم للآخرين رغم احتياجه لما قدم ورغم غياب ما يسبب الصراع النفسي لديه فيما لو أشبع حاجته هو أولاً.

 

ويختلف الإيثار عن الإسقاط بأن الإسقاط يتم فيه افتراض أن الآخرين لديهم نفس الرغبات والنزوات التي عند الشخص فيحاول إشباعها فيهم رغم أنها قد لا تكون لديهم، إنما هو يرى رغباته قائمة في نفوسهم بدل أن يراها في نفسه، أما في الإيثار فيتم إشباع رغبات حقيقية قائمة في نفوس الآخرين وليست رغبات أسقطها الشخص عليهم وأضفاها من نفسه هو.

 

كما يختلف الإيثار عن تشكيل رد الفعل، من حيث أن تشكيل رد الفعل يقوم الإنسان فيه بفعل عكس ما يشتهي فعله، لكن في الإيثار هو يفعل لغيره ما يحب أن يفعل وما يرغب فيه لنفسه.

 

2- المُزاح أو الدُّعابة Humor

 

حيث يركز الشخص على الجانب المضحك والمثير للسخرية أو التسلية في المصائب والضغوط التي تواجهه، ولعل في القول الشائع (شر البلية ما يضحك) تعبيراً عن اللجوء إلى هذه الآلية الدفاعية في وجه المصائب.

 

ويضرب Vaillant مثالاً على هذه الآلية بسيدة عمرها ثلاثون سنة أجهضت أول حمل ولم تنجح في حمل آخر ثم شخص عندها سرطان عنق الرحم واستؤصل لها الرحم وبذلك لم يبق لها أمل في الإنجاب نهائياً، فإذا هي تقرأ في مجلة تعريفاً ساخراً لاستئصال الرحم يقول: إنه التخلص من عربة الطفل مع الإبقاء على ملعبه، وهي إشارة إلى الإبقاء على المهبل اللازم للجماع والمتعة الجنسية، فإذا بهذه المرأة التي قرأت هذا التعريف بعد عملية استئصال رحمها بأيام تضحك من قلبها ضحكاً طويلاً بدل أن تحزن على ما فقدت من أمل في الإنجاب الذي كانت تحاول جاهدة من أجله، مما يدهش الممرضة التي كانت تتصنع الجدية وبعض الحزن مراعاة لمشاعر امرأة شابة فقدت رحمها.

 

3- الكظم Suppression

 

وهو الإحساس الواعي بالألم النفسي والصراع أو الغيظ أو غيره من مشاعر أو نزوات وإبقاء ذلك على مستوى الفكر والخواطر وتأجيل أي تعبير عنها بالقول أو العمل، ويتضمن نوعاً من تأجيل الاهتمام بهذه المشاعر أو النزوات، وتختلف تماماً عن الكبت حيث في الكبت لا يتم السماح لهذه النزوات أو المشاعر بالوصول إلى الوعي، لكن في الكظم تصل إلى الوعي وتوضع في إحدى زواياه ريثما يتم التعامل معها بما يناسب من استجابات متعقلة ومدروسة، وهذا يذكرنا بقوله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] وبقوله أيضاً ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40].

 

4- التوقع Anticipation

 

إنه التوقع والتخطيط الواقعي لمعاناة ستحدث في المستقبل. إن الشخص يتعامل مع الضغوط والصراعات النفسية بأن يتوقع ردود فعله العاطفية، وبأن يتوقع العواقب الممكنة لأمر سيقع مستقبلاً، ويتهيأ لمواجهة ذلك بأن يفكر في ردود فعل عاطفية بديلة وواقعية، وبحلول بديلة للأزمة المتوقعة.

 

إن هذه الآلية تتضمن الهم والاهتمام والتخطيط العاطفي الهادف، وكذلك القلق أو الحزن الذي يسبق الحدث، مما يجعل الحدث أقل صدماً ورَضَّاً للنفس، كما تتضمن الاستخدام الواعي للبصائر Insights التي حصل عليها الشخص من خلال العلاج النفسي.

 

5- التصعيد Sublimation

 

إنه التعبير غير المباشر أو المُضْعَف -وذلك من خلال سلوك مقبول اجتماعياً- عن نزوات أو غرائز أو صراعات نفسية يؤدي التعبير المباشر عنها إلى عواقب وخيمة.

 

ومن أمثلته التعبير عن العدوان من خلال الرياضات الممتعة والهوايات، وكذلك طغيان العواطف الرومانسية على السلوك الجنسي في بداية الحب بين اثنين، واختيار مهنة الجزارة حيث يعبر رجل عن عدوانيته من خلال ذبحه للحيوانات في المسلخ من أجل إطعام الناس…

 

في التصعيد يقوم الشخص بالاعتراف برغباته ونزواته -أي لا يكبتها-، لكنه يشبعها إشباعاً جزئياً من خلال أقنية غير مباشرة.

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة