الفرح والمرح في القرآن
الفرح والمرح في القرآن
Whatsapp
Facebook Share

الفرح والمرح في القرآن

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58].

 

وقال: ﴿إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ [القصص: 76].

 

وقال: ﴿الٓمٓ (1) غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (2) فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (5) وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) [الروم: 1-6].

 

وقال: ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (76) [غافر: 75-76].

 

في الآية الأولى يدعو الله المؤمنين إلى الفرح وفي الثانية ينهى الصالحون من قوم موسى عن الفرح لأن الله لا يحب الفرحين، ثم في الآية الثالثة يبشر الله المؤمنين أنهم في بضع سنين سيفرحون بنصر الله، لكن في المثال الرابع يقال لمن يدخل النار أنهم يدخلونها لأنهم كانوا في الدنيا يفرحون ويمرحون.

 

يا ترى ما هو الموقف الصحيح لدين الله من الفرح؟ هل يدعو إليه أم يحرمه ويتوعد عليه؟

 

يزول الالتباس إذا انتبهنا إلى أن للفرح والمرح معنيان الأول المعنى المعروف لنا جميعاً وهو السرور والبهجة وقرة العين بما يسعدنا ونحبه، أما الثاني فهو الكبر والاختيال والتعالي.

 

وديننا لا يحرم علينا أن نفرح ونمرح بمعنى أن نشعر بالسرور والغبطة وتقر عيوننا إن فزنا بما نحب من الخير، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58]... إنها دعوة مفتوحة للفرح بفضل الله وبرحمته وهي الفطرة التي فطر الله نفوسنا عليها حيث تفرح كلما فازت بما تحب من الخير، وديننا دين الفطرة. ويجب أن لا يشكل علينا ما ورد عن نبيينا ﷺ إذ قال: "لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا.(رواه البخاري).

 

وما ورد عنه ﷺ من دعوة إلى قراءة القرآن بحزن وخشوع فإنما ذلك كان في معرض الموعظة لينبهنا من غفلتنا فلا ننسى ما ينتظرنا من حساب، ولا نقصر في الاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح، فالنبي نفسه ﷺ كان دائم البشر وكان يمازح أصحابه أحياناً، وهو الذي دعا صحابته إلى اللهو المباح في الأعراس والأعياد. إن ديننا دين الفطرة المتوازنة وليس دين الكآبة والأحزان.

 

إنما يحرم ديننا التعالي والاختيال والتكبر والشعور بالعظمة وبطر الحق وغمط الناس اللذان ينتجان عن الكبر والاختيال على الناس.

 

ويبقى السؤال عن سر العلاقة بين الفرح والتكبر ولم اشتركا بكلمة واحدة تعبر عنهما. ويزول الاستغراب عندما نتذكر أن من الأمراض النفسية مرض تكون النفس فيه في حالة فرح مفرط لا مبرر له إنما هو ناتج عن اضطراب في النواقل العصبية المسؤولة عن المزاج في المخ يجعله في حالة فرح شديد لا سبب له ولا مبرر من الواقع، وهذا المرض يشكل النقيض للاكتئاب النفسي الذي هو حالة من الحزن والانكسار واليأس لا مبرر لها من الواقع إنما تنتج عن خلل آخر في عمل النواقل العصبية المسؤولة عن المزاج في المخ، أي في الحالتين الخلل كيميائي في المخ يؤدي إلى سيطرة مزاج مرتفع جداً أو منخفض إلى أبعد الحدود بلا مبرر.

 

والحالة التي يرتفع فيها المزاج ارتفاعه المفرط غير المبرر تسمى في الطب  mania  وتترجم عندنا في سورية بكلمة الهوس أما في مصر فتسمى المرح. وترجمتها بالمرح أصح عندما يقصد بها اضطراب المزاج الذي نتحدث عنه أما ترجمتها بالهوس فأصح عندما يقصد بها شدة الاهتمام والاندفاع لفكرة أو معتقد ما. وتجتمع في مرض المرح هذا مشاعر البهجة والسعادة والفرح الغامر بلا سبب مع مشاعر العظمة الشديد والخيلاء التي قد تبلغ حد جنون العظمة القائم على أوهام القدرة الفائقة والملكات والمواهب الموهومة بخلاف واقع المريض وقدراته العادية.. إنه على ما يبدو هنالك قرابة قد تكون فيزيولوجية بين الشعور بالفرح الشديد وبين والشعور بالكبرياء والعظمة، ولعلها السبب أن عبر القرآن الكريم عن الاختيال والتكبر والتعالي بالفرح والمرح وحرمهما بهذا المعنى، ونحن نعلم أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر إلا أن يغفره الله له أو يعاقبه عليه قبل أن يدخله الجنة إن كان من أهلها.

 

قال رسول الله ﷺ: "يقولُ اللَّهُ سبحانَهُ الكِبرياءُ ردائي والعظَمةُ إزاري مَن نازعَني واحدًا منهُما ألقَيتُهُ في جَهنَّمَ.(رواه ابن ماجة وأحمد).

 

ولعلنا الآن أقدر على فهم الآيات التي ذمت الفرح أو المرح لأن المقصود هي الخيلاء والكبرياء:

 

إنه الفرح المذموم والمرح المحرم لما فيهما من علو في الأرض واستكبار عن اتباع الحق، وهي كبرياء وهمية وعظمة فارغة لا يحق للإنسان ادعاؤها لأنها لا تنبغي إلا لله وحده، أما الإنسان فعليه أن يقنع بمنصب الخلافة عن الله في أرضه، أي السيد فيها بعد الله سبحانه وتعالى، الذي سخر له ما في السماوات والأرض جميعاً منه تبارك وتعالى، وفرض عليه أن يتواضع لعظمة خالقه ويطيع أمره ولا يستكبر عن عبادته، التي بها يعلو قدره ويرتفع مقامه بين الخلائق ﴿...بَلْ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ [الأنبياء: 26].

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة