الغيبة بلاء على قائلها
الغيبة بلاء على قائلها
Whatsapp
Facebook Share

الغيبة بلاء على قائلها

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

إن الغيبة كما عرفها النبي محمد ﷺ هي: "...ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ..." (رواه مسلم)، أي أن يذكر الإنسان إنساناً آخر بما يكره، يعني أن يتحدث عنه بما لو سمعه لتضايق واستاء، ولا يغير في الأمر شيئاً أن يكون في هذا الإنسان من العيوب ما يقال عنه، فإن الذي يذكر أحداً بعيوب هي فيه، يكون قد اغتابه، أما إن نسب إليه من العيوب والأفعال القبيحة ما ليس فيه  فقد بهته، والبهتان أقبح من الغيبة.

 

وقد حرم الله الغيبة، وشبهها بأكل لحم الآخرين وهم أموات، قال تعالى: ﴿...وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ [الحجرات: 12].

 

والاستماع إلى الغيبة مشاركة فيها. لذا حثنا النبي محمد ﷺ على أن نرد عن أعراض إخواننا إن اغتابهم أحد أمامنا. قال النبي محمد ﷺ فيما رواه الترمذي: "مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه ردَّ اللهُ عن وجهِه النَّارَ يومَ القيامةِ."

 

ولعل في تشبيه المولى عز وجل للغيبة بأكل لحم بشر ميت، إشارة إلى أثارها السلبية في نفس مرتكبها وقائلها، فمع أنه يظن أنه يقوي، ويغذي نفسه بها، كما يتقوى ويتغذى آكل اللحم، لكنه يأكل من جيفة بشرية، ويتمتع بوجبة ضارة مقرفة!.

 

فالذي يغتاب الآخرين يغتابهم لينفس عن عدائه، وحسده لهم، ويغتابهم ليشعر بالتعالي عليهم، طالما أنهم فيهم من العيوب ما ليس فيه، وهو يغتابهم ليحسن صورته في عيون المستمعين إليه، لأن من يستمع إلى قوله يستنتج خلوه من هذه العيوب التي يذكرها في أخيه المؤمن، إذ من المستبعد جداً أن يتحدث الإنسان عن عيوب الآخرين إن كان يعاني من مثلها.

 

وإن كان علم النفس الحديث، قد بين أن الإنسان قد ينسب إلى الآخرين ما فيه من مشاعر، ورغبات لا يريد أن يراها في نفسه، فينكر وجودها فيه إنكاراً نفسياً يجعله أعمى عنها، وينسبها إلى غيره، وهذه آلية الإسقاط النفسي التي يقع فيها الإنسان دون أن يشعر، وعن طريق هذه الآلية والحيلة النفسية يقع على من يغتاب الآخرين بعض الجزاء والعقوبة على فعلته، لأنه يدرك في أعماق نفسه أن الغيبة لا تصدر من محب ولا من راحم، بل تصدر عن مشاعر العداوة، والبغضاء، والحسد والازدراء، ويدرك أنه يحمل هذه المشاعر تجاه الآخرين، ولولاها لما اغتابهم، ومع إدراكه لوحدة النفس البشرية وتماثلها، يحس أن الآخرين يحملون له نفس مشاعر العداوة والبغضاء، والحسد والاستعلاء، وأنهم مثله يبحثون عن عيوبه كما يبحث عن عيوبهم، وهذا يفقده الطمأنينة والسكينة والسلام النفسي، إذ كيف يكون مطمئناً إن ظن أنه موضع عداوة الناس وبغضهم وحسدهم؟.

 

وبالمقابل فإن الذي يحفظ لسانه عن الغيبة، ولا يترك عينيه تبحثان عن عيوب الآخرين، فلا يغتاب أحداً، ولا حتى بينه وبين نفسه، هذا الذي يمتلئ قلبه بحب الخير للآخرين والرحمة بهم، ولا يستكثر عليهم فضل الله، فإنه بالآلية النفسية نفسها، يحس أن الآخرين لا يحملون له العداوة أو البغضاء، ولا يبحثون عن عيوبه ونقاط ضعفه، لتكون موضوعاً لغيبتهم له وسخريتهم منه. وهذا يجعله ينعم بالطمأنينة، والسلام النفسي.. سلام يشبه السلام الذي ينعم به المؤمنون في الجنة.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ (45) ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) [الحجر: 45-48].

 

اللهم اجعلنا جميعاً منهم، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة