الحياة الزوجية وتحديات الإعاقة
الحياة الزوجية وتحديات الإعاقة
Whatsapp
Facebook Share

الحياة الزوجية وتحديات الإعاقة

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف


 

الإعاقة إمّا أن تكون في أحد الزّوجين أو أن تكون في أحد أولادهما (صبيّاً كان أو بنتاً)، والإعاقة في الزّوجين إمّا أن تكون موجودة قبل الزّواج وإمّا أن تحدث بعده... وفي كلّ هذه الأحوال فإنّ لإعاقة أحد الزّوجين أو أحد أولادهما آثاراً هامةً في نفسيّة الزّوجين تنعكس على حياتهما الزّوجيّة وتُشكِّل تحديّاً لها، إمّا أن تغلبه وتنتصر عليه، وإمّا أن يغلبها فيجعلها تعيسة، أو قد يقضي عليها ويُعَجِّل بنهايتها.

 

والإعاقة قبل الزّواج تُقلِّل من فرصه بالنّسبة للرّجل والمرأة على السّواء، ذلك أنّ الإعاقة إمّا أن تكون ناتجة عن نقصٍ في الجسم يؤدِّي إلى فقدانه لإحدى قدراته ووظائفه كالشّلل والعمى وطرفٍ مبتورٍ، أو أن تُسيء إلى شكل الجسم كما تفعل ندبةٌ كبيرةٌ بعد حريقٍ أو جرحٍ عميقٍ، وقد تجمع الإعاقة ما بين الخلل الوظيفي والخلل الجمالي في آنٍ واحدٍ. هذا عن الإعاقة الجسديّة، أمّا الإعاقة العقليّة كالتّخلُّف العقلي والمرض العقلي الشّديد المزمن فلا علاقة لها بالشّكل عادةً. ومع ذلك يبقى الكثير من المعاقين صالحين للزّواج وراغبين فيه، وقد يتزوّج معاقٌ في ناحية بمعاقةٍ في ناحيةٍ مختلفةٍ ولا يرى أحدٌ منهما أنّه قدَّم لهذه الحياة الزّوجيّة أكثر من الآخر، لكن هذا النّوع من الزّيجات ما يزال هو الاستثناء. أمّا أن يرتبط السّليم المعافى تامّ الخِلقة بمعاقٍ أو مُعاقةٍ فإنّ ذلك يعتمد عادةً على شدّة الإعاقة وعلى وجود جوانب في الزّوج المعاق تعوِّض عن إعاقته وتجذب الطّرف الآخر إليه، كما يعتمد على مدى قوّة الشّخصيّة لدى الطّرف السّليم أو ضعفها، وعلى تقديره لذاته أو شعوره بالنّقص والدّونيّة. فصاحب التّقدير العالي لذاته والشّخصيّة القويّة قد يتزوّج من معاقٍ أو معاقةٍ لأنّه يتصرّف بحسب قناعاته هو، ولا يرى في زواجه هذا ما يخجل منه، وفي المقابل قد يتزوّج السّليم المعافى من معاقٍ أو معاقةٍ لأنّ نظرته إلى ذاته متدنيّة ولا يرى نفسه جديراً بأكثر ممّا أُتيحَ له، وتبقى الإعاقة عقبة في طريق زواج المعاق لا يكفي في تذليلها الوعظ والإرشاد، إذ تتحكّم عوامل لا شعوريّة قويّة في اختيار الإنسان لشريك حياته، والوعظ لا يتغلّب على اللاشعور وقد لا يصل إليه أحياناً.

 

لكن قد يتزوّج اثنان كلّ منهما سليم معافىً تامّ الخلقة، وذات يومٍ يتحوّل أحدهما إلى معاقٍ بفعل مرضٍ شديدٍ أو حادثٍ مؤسفٍ... المرأة الشّابّة الجميلة شَوَّهَت الحروق وجهها وهي تعدُّ وجبة الغداءِ للعائلة، والرّجل الوسيم القويُّ فقد ساقه في حادث سيرٍ أو عملٍ أو أصابه الشّلل نتيجة ذلك وصار أسير الكرسي المتحرِّك.

 

الإعاقة بعد الزّواج تحدث تغييراً في نظرة الزّوج الّذي أُعيقَ إلى نفسه وفي نظرة الزّوج الآخر إليه وفي العلاقة بينهما. الزّوج الذي أُعيقَ (رجلاً كان أو امرأة) لا بدّ له من أن يمرَّ بمراحل الحُزن والأسى التي يمرّ بها مَن فقد عزيزاً، والّتي تُسمّى في الطّبِّ النّفسي "الافتجاع Grief"، حيث يمرُّ الإنسان بمرحلة من الإنكار النّفسي للمصيبة فيتصرَّف ويشعر وكأنّه لم يفقد شيئاً، ثمّ يأخذ بالتّدريج وعلى مدى الأيّام والأسابيع أو الشّهور، يأخذ في الإذعان للحقيقة ويشعر بألمِ الفاجعة وجدّيّتها وأثرها في حياته، وعندها قد يجتاحه القلق على المستقبل والغيظ والانزعاج، فيصبح نكِد المزاج عصبيّاً يغضب لأتّفه الأسباب، وقد يتوّجه غضبه إلى الأطبّاء والمعالجين، وقد يتوّجه إلى الزّوج السّليم الّذي يلحّ عليه بوجوب القَبول بالإعاقة، وهو ما يزال بعيداً عن طور القَبول هذا. ثمّ تكون مرحلة الاكتئاب والحُزن والاستلام الّتي قد تزيد من شدّة الإعاقة لأنّ إحساسه بالعجز يجعله لا يستخدم ما تبقّى لديه من قدراتٍ استخداماً حسناً.

 

كلّ هذه المشاعر مع ما يرافقها أحياناً من مشاعر الحسد للسّليمين بما فيهم الزّوج الآخر، كلّها تجعل الزّوج الّذي أُصيب صعب المعشر وعسراً وعدائيّاً وقليل الشّكر للطّرف الآخر الّذي يُعاني معه بصمتٍ وحُزنٍ، وهذا ممّا يزيد من معاناة الزّوج السّليم، فهو أيضاً يمرُّ بآلام التَّفَجُّعِ والحُزنِ على ما أصاب زوجه، فالخسارة هي للإثنين معاً وإن كانت بدرجاتٍ متفاوتةٍ.

 

والإعاقة بعد الزّواج تُثير مسألة الاستمرار مع الزّوج المعاق بعدما اصابه أو أصابها من تشوّهٍ أو عجزٍ عن أداء بعض الوظائف الجسديّة. وهذا يعتمد على عدّة عوامل أهمّها شخصيّة كلٍّ من الزّوجين والقيم الّتي يُؤمِن بها، ومدى قوّة العلاقة الزّوجيّة قبل الإصابة. وإذا كانت الزّوجة هي المصابة والزّوج قادر على الزّواج بثانية فإنّ هذا قد يُنقِذُ الحياة الزّوجيّة إن كان الزّوج لن يصبِرَ على الحياة مع زوجةٍ مُعاقةٍ في جمالها أو قدراتها، أمّا إن كان الزّوج هو المصاب والزّوجة لا تريد الصّبر على الحياة مع زوٍجٍ مُعاقٍ فالحلُّ الوحيد سيكون في طلاقها وزواجها من آخر، وإن كان الواقع يقول إنّ الزّوجات أكثر صبراً وتضحيةً وبخاصّة إن كان الزّوج قد أكرمها وأحسن معاشرتها قبل إصابته أو كان لديهما أولادٌ سيتضررون من الطّلاق.

 

لكن الّذي يتوّجب على المجتمع فعله هو مؤازرة المرأة إذا أرادت استخدام حقِّها في إنهاء العلاقة الزّوجيّة بعد إصابة الزّوج، وهذه المؤازرة والموافقة من المحيطين بالمرأة ستساعدها على ممارسة حقِّها والحفاظ على نفسها من الفتنة، هذا إن صمّمت على قرارها، وبخاصّة أنّ هذا التّصميم قد يكون في الغالب نتيجة ضعف العلاقة الزَّوجيّة منذ البداية، أمّا إن قرّرت الصّبر فإن شعورها أنَّ حقَّها محفوظٌ في أن تختار لنفسها إمّا الاستمرار مع زوجٍ معاقٍ أو تركه دون تعرُّضها للّوم والضّغط من الآخرين، إنّ شعورها هذا بحريّتها في ممارسة حقِّها المشروع يجعلها تستمرُّ وهي ترى نفسها زوجة صابرة مُضحيّة بعكس الزّوجة الّتي تحسّ بأنّها ضحيّة لأنّها مضطرّة إلى الاستمرار بسبب استنكارِ الآخرين إن هي أرادت الفراق، وفرقٌ ما بين أن يكون المرء مضحيّاً بإرادته واختياره أو أن يكون مُكرهاً مُرغماً يشعر دوماً بالحرمان والغبن والغيظ والسّخط.

 

ثمّ إنّ مفهوم الابتلاء والصّبر عليه يجعل كلّاً من الزّوج المصاب والزّوج السّليم أكثر تقبُّلاً للمصيبة وأقلّ معاناةً بسببها، ويُؤثِّر في القرار المُتخَذ بخصوص الزّواج من جديدٍ أو عدمه.

 

ومن النّاحية النّفسيّة من المفيد جدّاً أن لا يُنكر الإنسان مشاعره الّتي أثارتها المصيبة بل يفضي بها إلى شخصٍ مُتفهِّمٍ مُتعاطف لا يُطْلَبُ منه إلّا حُسنُ الاستماعِ والإقرارُ لصاحبِ المشاعرِ بحقِّه الطّبيعي في الإحساس كما يحسّ، وحقّه في اختيار الخيار الّذي يريد للمستقبل، فإن لم يُوجَد هذا الشّخص المُتفهِّم فإنَّ المُعالج النّفسي المتخِصِّص هو خيرٌ مَن يلجأ إليه الزّوجان أو أحدهما للحصول على مؤازرته النّفسيّة في أزمةٍ شديدةٍ مثل أزمة الإصابة بإعاقة قد تعصف بالحياة الزّوجيّة وتقضي عليها إن لم تتوفَّر المؤازرة المطلوبة في وقتها المناسب.

 

والإعاقة تُؤثِّر على توازن القوى في الحياة الزّوجيّة، فالإعاقة ضعفٌ قد يُؤدِّيَ إلى استهانة الزّوج السّليم بالزّوج المعاق أو عدم طاعته له، لكن الإعاقة إن لم تُؤثِّر على ملكات الزّوج الّتي تُؤهلّه للقوامة فإنّ الإيمان والتّقوى يكفلان لهذا الزّوج الاستمرار في التّمتّع بسلطة محترمة في الأسرة، كما يكفلان تمتّع الزّوجة الّتي أُعيقت بالاحترام والتّقدير اللّذين كانت تتمتّع بهما قبل الإصابة، إذْ لا يَستغلُّ الضَّعف النَّاجم عن الإصابة إلّا لئيم.

 

وقد تقع الإعاقة في أحد الأولاد في الأسرة سواء كانت إعاقة خَلقيّة يُولد بها الطّفل أو كانت طارئة وناتجة عن مرضٍ أو حادثٍ؛ وفي الحالات كلِّها يكون لها أثرٌ شديدٌ على الزّوجين وعلاقتهما، إذ تُثير إعاقة أحد الأطفال مشاعر الذّنب ولوم النّفس والإحساس بالخِزي والخجل، وقد يلوم كلّ من الزّوجين الآخر ويُحمِّله المسؤوليّة عن إعاقة الطّفل رغم أنّه في الغالب لا ذنب له في ذلك، ويُضاف إلى هذه المشاعر مرور الوالدين بآلام التَّفَجُّعِ والحُزنِ، فالإعاقة فقد وخسارة أصابتهما كما أصابت الطّفل، وفيها على الأقلّ فقد وخسارة للحلم الجميل بذريّة معافاة تحقّق الآمال... وهذا كلّه يحدث سواء كانت إعاقة الطّفل ولاديّة أو حدثت في الطّفولة بسبب إصابة أو مرضٍ.

 

ومن الأخطاء التّظاهر بعدم وجود مشكلة وعدم الكلام عن الإعاقة وما يتعلّق بها من مشاعر تعتمل في نفس الزَّوجين، وأفضل علاجٍ للآثار النّفسيّة للمصائب هو الحديث عنها وعن مشاعرنا النّاتجة عنها، وتكرار هذا الحديث المرّات العديدة كي ترتاح النّفوس من ضغط المصيبة عليها، وكي تحسّ أنّ الآخرين الّذين يستمعون بتفهّمٍ وتعاطفٍ قد شاركوا صاحب المصيبة في مصيبته، فيخفُّ الحِمْلُ وتهدأ النّفس، وبالتّدريج تصل إلى مرحلة التّقبُّلِ والرّضا والتَّكيُّف مع الوضع الجديد الّذي أوجدته إعاقة أحد الأطفال.

 

كما إنَّ من المشكلات الّتي تنتج عن إعاقة أحد الأطفال أنّ بعض الأمهات يُبالغنَ في رعاية الطّفل المعاق والاهتمام به وتكريس وقتهنّ وجهدهنّ له، ممّا يجعل الزّوج ومعه باقي الأطفال في الأسرة يشعرون بالإهمال؛ وشعور الزّوج بالإهمال يُشكِّل مشكلة في الحياة الزّوجيّة حتّى إن كان الأطفال الّذين يأخذون اهتمام الزّوجة طبيعيين، وأكثر ما تحدُث الخيانة الزّوجيّة من قبل الرّجال في فترات انشغال الزّوجة بالأطفال وإهمال الزّوج ومتطلّباته العاطفيّة والجنسيّة، وهذه مشكلة كبيرة في بعض الأسر الّتي فيها طفلٌ معاقٌ وأمٌّ كرّست نفسها له من دون الآخرين، إذ قد يصبِر الزّوج وقد لا يصبِر فيبحث عن القرب العاطفي الدافئ وعن الإشباع الجنسي لدى أُخرى تكون زوجة ثانية في أحسن الأحوال.

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة