نفسية الزوج المخلوع
نفسية الزوج المخلوع
Whatsapp
Facebook Share

 

نفسيّة الزّوج المخلوع

 

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف

 

     الزّوج المخلوع مثله مثل الزّوجة المُطلّقة مُعرَّضٌ لمَزيجٍ من المشاعر، حيث الشّعور أنَّه مرفوضٌ وأنَّه مُتَّهمٌ وأنّه مُخفِقٌ فاشلٌ، وأنّه سيئُ الحظِّ وأنّه أُصيب بخسارةٍ ولَم يَلقَ إلّا الجُحود، وفي بَعض الأحيان يَشعر بالارتياح والفَوز... مشاعرٌ مُختلطةٌ يَسود بعضها ويَطغى على الآخر بحسب ظروف الخلع وأسبابه.

 

     بعض الأزواج يُسيءُ مُعاملة زوجته ويَستفزُّها حتّى تَطلُب الخلع لأنَّه يُريد التّخلُّص منها واسترداد المهر وكلُّ ما قَدَّمه لها، وربّما أكثر مِن ذلك، وإن نجح في ذلك شعر بالانتصار والفَوز والرّبح والارتياح لأنّه في الحقيقة هو الّذي كرِهها وأراد التّخلُّص منها دون خسائر، وقد كان له ما أراد. بالطّبع هذا زوجٌ ظالمٌ، والإضرار بالزّوجة ومُضايقتها حتّى تَضطر إلى التّحرُّر منه بالمُخالعة والتّنازُل عن حقوقها حرّمه الله في القرآن الكريم، ولكن إن لم تَسْتَحِ فاصنَع ما شِئت.

 

     تَميل المرأة عموماً إلى قَطع علاقتها بالرّجل عندما تَشعُر أنَّها لَم تَحصَل من هذه العلاقة على ما تُريد، بينما يَميل الرّجل عموماً إلى المُحافظة على العلاقة ومُحاولة إصلاحها ما استطاع، وبالطّبع هنالك لكلِّ ٌقاعدة شذوذ، كما إنَّ المرأة عندما تَستَعجِل في اتّخاذ قرارها بِقَطعِ العلاقة لا يَعني أنها لن تُعاني كثيراً عندما تَنقَطِع هذه العلاقة، وهذا يُفسِّر لنا استعجال الزّوجات عند حدوث الخلافات الزّوجيّة وكثرة طَلَبِهِنَّ الطّلاق من أزواجهنَّ. "طلقني" كلمةٌ مُزعجةٌ للأزواج يَسمعونها كثيراً ولمشكلاتٍ لا تبدو في نظرهم تَستحقُّ الطّلاق. ولكن عندما تَهدأ غضبة الزّوجة أو تَحصل المُصالحة تكون شديدة الحرص على استمرار حياتها الزّوجيّة، وأعتقد أنَّ الخالق أعطى للزّوج صلاحيّة تطليق زوجته بكلمة "أنتِ طالق" يقولها بلسانه عندما تصِل الأمور إلى حدٍّ لا يَتحمَّله، لأنَّ الرّجل لا يَميلُ إلى التّطليق عند أيّ خلافٍ، بل لا بُدَّ أن تكون غلطة الزّوجة في نظره كبيرةً حتّى يُطْلِق عليها هذه الطّلقة الّتي مهما كانت قاسيةً على المرأة فهي خيرٌ مائة مرة من أن يَندفع الزّوج وهو الأقوى عضليّاً في عُنفٍ موجّهٍ نحو زوجته قد يَصِل حدَّ القتل ما لَم يكن لديه وسيلة للشّعور بالقوّة أمام أخطاء زوجته وهي قُدرته على تطليقها بكلمة، ويكون ذلك بمثابة صمّامِ أمانٍ يَمنَع حدوث ما هو شرٌّ من ذلك.

 

     أمّا الزّوجة فقادرةٌ على تطليق زوجها لكن لا بكلمةٍ تتفوّه بها بل بطَلَبٍ تتقَدَّم به إلى القاضي، وهذا يَعني مرور الأيّام قبل الوصول إلى القاضي ممّا قد يُهدِّئ غضبتها ويُنسيها طلبها، ثمَّ عندما تَصِل إلى القاضي فإنّه سيُحاوِل حلَّ الخِلاف بينهما قبل أن يَحكُم لها بالخلع أو الطّلاق، وهذا كلّه يُقلِّل فُرَص حدوث الطّلاق أو الخلع المُتسرِّع، لكن إن أصرّت الزّوجة على الخلع فهذا يعني أنَّ لديها أسباباً قويّةً لذلك، قد تكون عيوباً في الزّوج، أو تكون تحوُّلاً في مشاعرها نحوه لأسبابٍ أحدها الوقوع في علاقةٍ عاطفيّةٍ في الغالب لن تكون مُثمرةً. لكن الأغلب أن يكون الخلع بهدف التّحرُّر من المُعاناة في الحياة الزّوجيّة، والمُعاناة هي من وجهةِ نَظَرِ الزّوجة، حيث قد يكون الزّوج سيِّئاً بالفعل وقد يكون ما تَشتكي منه الزّوجة شيءٌ تتقبَّله برِضا أغلبُ النِّساء ولا ترى فيه مُشكلةً وذلك بحسَب القِيَم والعادات الّتي نشأت عليها الزّوجة، مع ذلك الأصل أنَّ الزّوج المَخلوع زوجٌ مُتَّهمٌ لأنَّ النّاس يَعلمون حِرص المرأة على حياتها الزّوجيّة عادةً، ويقولون لا بُدَّ أنَّه زوجٌ سيء أو فيه علَّةٌ (ضعفٌ جنسيٌّ مثلاً) حتّى خالعته... والزّوج المَخلوع يُدرِك ذلك ويَشعر أنّه موضع اتّهامٍ من الآخرين، وقد يجعله ذلك يُكثِر من الحديث حول المُخالعة وأسبابها وحول عيوب زوجته وطلباتها غير المَنطقيّة وغير المَقبولة من أيِّ رجل، وأنَّها خالعته لأنّه لَم يُلَبِّ لها مثل هذه الطّلبات والرّغبات، كلُّ ذلك كي يَردَّ اعتباره أمامَ النّاسِ ويَنفي عن نفسه ما قد يَظنونه فيه من عيوبٍ أو سوءِ خُلْقٍ.

 

     ويَشعُر الزّوج المَخلوع أنّه إنسانٌ مرفوضٌ ممّن كان يتوقّع منها التّقَبُّل ومكروهٌ ممّن كان يتوقّعُ منها الحب، والإنسان لديه حاجةٌ فطريّةٌ لأن يَشعُر أنّه مقبولٌ من الآخرين ومَحبوبٌ ولو من بعضهم على الأقل، لذا يكون ردُّ فِعْلِ الرّجل الّذي تَرفضه امرأةٌ حبيبةٌ قَطعَت علاقتها به أو زوجةٌ خالعته ردُّ فِعله المُعتاد هو البحث الفوري عن امرأةٍ تتقبَّله وتُحبُّه أو حتّى تتزوّجه وذلك بحسب المجتمع والأخلاق السّائدة فيه، وإن كان بعض الأزواج يتردّدون في الالتزام بالزّواج من المرأة الجديدة خَشيَة أن يَمرُّوا بتجربةٍ فاشلةٍ أخرى.

 

     ومِن المشاعر الّتي يُعاني منها الزّوج المَخلوع الّذي يرى أنَّ زوجته تخلَّت عنه بلا سببٍ وجيهٍ هو الشّعور بالظّلم، وبالتّالي الغَيظ من هذه الّتي ظلمته ولَم تُقَدِّر ما فعله من أجلها طيلةَ سنواتِ الزّواج، بل كانت جاحدةً وناكرةً للجميل، وممّا يُؤلِم الزّوج عادةً أن يُقَدِّم لزوجته ويُحاولُ إسعادها ثمَّ لا يَلقى منها التّقدير لِمَا قدَّم.

 

     والخلع خسارةٌ للزّوج حتّى لو أعادت إليه زوجته المهر، لأنّه يعني أنَّ عليه أن يعودَ إلى نقطةِ الصّفر ويُحاول بناءَ أُسرةٍ من جديدٍ. وهو كذلك خسارةٌ إن كان هنالك أطفالٌ وأصرَّت أُمُّهم على حَضانتهم وبالتّالي على الزّوج المَخلوع الإنفاق على أُسرتين، وهذا يَعني عبئاً ماليّاً غالباً ما يكون مُرهِقاً للزّوج، إضافةً إلى مُشكلةِ تربيّةِ الأولادِ حيث يَجِد نفسه غير قادرٍ على التّدخُّل في تربيتهم، ثمَّ مُشكلةِ المُحافظة على العلاقة مع الأولاد وعلى ولائهم له ومَحبَّتهم إيَّاه.

 

     إنَّ الخلع ليس أقلُّ ضرراً نفسيّاً على الزّوجين والأطفال من الطّلاق، لأنَّه طلاقٌ لكن الفَرق أنَّه تَمَّ بقرارِ الزّوجة لا بقرارِ الزّوج.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة