حقيقة الكبر
حقيقة الكبر
Whatsapp
Facebook Share

 

حقيقة الكِبْر

 

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف

 

     قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{13}}. (الحجرات: 13).

 

     الناس سواسية في القدر والكرامة، إلا من رفعته تقواه عند الله، والتقي لا يسمح لنفسه بالتعالي على أحد، لأنه لو أعجب بتقواه وتعالى بها على الآخرين، لخرج من زمرة المتقين.

 

     قال تعالى عن المؤمنين المتقين: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ{57} وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ{58} وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ{59} وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ{60} أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ{61}}. (المؤمنون: 57 - 61).

 

     وقد سألت عائشة -رضي الله عنها- رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله! الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟". فقال ﷺ: [لا يا بنت الصديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل]. (رواه أحمد).

 

     وفي رواية أخرى أنه قال أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلةٌ} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا تقبل منهم؛ أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون". ( رواه الترمذي).

 

     صحيح أن الأتقى هو الأكرم عند الله، لكن التقوى والعجب والتكبر لا تجتمع في قلب واحد،  فهي متناقضات كالليل والنهار، لا يتسع مكان لهما مجتمعين.

 

     وإذا اقتضت التقوى نقاء القلب من العجب والتكبر، فما الذي يبرر للإنسان أن يتعالى على أخيه الإنسان، والله قد ألغى كل مقياس آخر لتكريم بشر على بشر إلا التقوى؟.

 

     والعُجْب كما يعرفه الإمام الغزالي -رحمه الله- هو: استعظام النفس وخصالها التي هي من نعم الله، والركون إلى هذه النفس وإلى خصالها، مع نسيان إضافتها إلى المنعم، ومع الأمن من زوالها.

 

     والكبر: هو أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزة من اعتقاده بهذه الفوقية. والعجب سبب الكبر، ولكن الكبر يستدعي متكبراً عليه، والعجب مقصور على الانفراد.

 

     رحم الله الغزالي، فقد وضح العجب والكبر توضيحاً رائعاً، والعجب بالمصطلح النفسي الحديث هو "النرجسية"، حيث يشتمل مفهوم الذات عند الإنسان النرجسي على اعتقاد راسخ بتفوقه على الآخرين في صفات هامة كالذكاء والجمال، وغير ذلك.

 

     والنرجسي يُدِلُّ على الناس، فيرى له عليهم حقاً ومكانة، ويستغرب إن هم لم يقدموا له ما يوجبه عليهم هذا الحق  وهذه المكانة.

 

     وعلماء النفس يرون أن للتربية في الصغر دوراً خطيراً في تضخيم نرجسية الإنسان، وإعجابه بنفسه، وذلك عندما يكثر الوالدان من مديح طفلهما، والادعاء أنه ذكي أو جميل، أو غير ذلك بما لا يتناسب مع ما فيه من ذكاء أو جمال.... ويكثران من تدليله بناء على تفوقه المزعوم.

 

     لكن هنالك نرجسية وكبر يقع فيه الإنسان باختياره لما يجد في الشعور به من متعة، فيقنع نفسه أنه الأفضل، ويرى نفسه أنه الأكرم، ويحتقر الآخرين، ولا يعجزه أن يجد مبرراً لعجبه بنفسه، وتعاليه على الآخرين، حتى إن البعض قد يتعالى على غيره دون مبرر مقنع.. لذا كان " الفقير المتعال" من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة كما قال النبي محمد ﷺ.

 

     إن الكبر والتعالي موقف نفسي إرادي، يقفه الإنسان من الآخرين لأنه يشبع لديه شهوة نفسية، ويحقق له أغراضاً نفسية تقلل قلقه، وتوحي إليه أنه بخير طالما أنه يتمتع بالبشرة البيضاء لا السوداء، أو أنه ينتمي إلى قوم معينين، أو أنه غني، أو قوي، أو جميل..... بل قد يتكبر الرجل على المرأة، والراشد على الطفل.

 

     والعجب والكبر يكمنان وراء كل أشكال التمييز العنصري.

 

     وقد بذلت الحكومة الأمريكية بمعونة علماء النفس، الكثير من أجل تخفيف تعالي البيض على السود، لكن جدوى ذلك كانت ضئيلة، إذ ليس تعالي الأبيض على الأسود، أو تعالي الرجل على المرأة نتيجة معلومات خاطئة لدى المتعالي عن المتعالي عليه، إنما هو رذيلة، وموقف إرادي يقفه إنسان ناقص الأخلاق.. لذا قال النبي محمد ﷺ: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس". (رواه مسلم).

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة