الاعتكاف ذكر وحرية
الاعتكاف ذكر وحرية
Whatsapp
Facebook Share

 

الاعتكاف ذكر وحريّة

 

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف

 

      كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما، وكان يعتكف العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم.

 

     والاعتكاف هو: المكث في المسجد للصلاة، أو الذكر، أو العلم، أو لمجرد المكث والنوم فيه، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا يباشر أهله طيلة مدة الاعتكاف. والاعتكاف عبادة تطوعية واظب عليها النبي ﷺ في كل رمضان لكنه لم يصح عنه أمر للمؤمنين بها، ولعلّ لذلك حكمة، وهي: رفع الحرج نهائياً عمن لم يقم بها. وللاعتكاف آثار طيبة في نفس المعتكف، إذ عندما يعتكف المؤمن في المسجد ويمضي فيه ليله ونهاره يتعمق إحساسه بوجود الله ويملأ هذا الإحساس نفسه على المستوين الشعوري واللاشعوري، وذلك طيلة أيام الاعتكاف. ولفهم الطريقة التي يعمق فيها الاعتكاف من ذكر الله، تخيل أخي القاريء أنك دخلت قصر ملك من الملوك.. فإن معرفتك أن هذا القصر الذي أنت بين جوانبه هو قصر الملك يجعل للملك حضوراً في نفسك، وإن أنت انشغلت في التفكير في أي شيء آخر، فإن الملك يبقى في ذهنك، ولو في الخلفية من مسرح تفكيرك ما دمت في قصره؛ ذلك أن كل شيء يقع عليه بصرك يذكرك به ولو بشكل لاشعوري.

 

     والمسجد بيت الله، والاعتكاف فيه يجعل إحساس المرء بوجود الخالق سبحانه وبحضوره أشد وأقوى، فتخفّ غفلته، ويتحقق له نوع من الذكر في القلب، إضافة إلى ذكر اللسان، حيث لا تنسى نفسه رب العالمين لحظة واحدة. إنه يذكر الله إما بشعوره أو بلاشعوره ما دام موجوداً في بيته، وهكذا يكون الاعتكاف ذكراً، فكيف يكون حرية؟

 

     يعيش الناس في مجتمعات وكل مجتمع يصوغ شخصيات أفراده وقيمهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، وفق نمط ثابت ومتكرر إلى حد كبير، وأي خروج عن عادات المجتمع، وتقاليده، وقيمه يضع الفرد تحت وطأة ضغوط متعددة يمارسها المجتمع عليه ليضبط سلوكه، وليعيده إلى الطريقة التي يرسمها له المجتمع. فالذي يريد أن يخالف عادات الناس في سلوكه أو أفكاره، أو زيّه، أو غير ذلك يأخذ من حوله بمحاولة إقناعه ليعدل عن السلوك الجديد، أو الدين، أو الزيّ؛ الذي خالف به عادات مجتمعه، وتقاليده.

 

     والإقناع يمارسه الأقربون والمحبون، أما الناس فيجعلون من الذي خالف عاداتهم وتقاليدهم مادة لحديثهم، يغتابونه، ويهزؤون من فعله أو قوله، وقد يتجرأ عليه بعضهم فيسخر منه، ويعيب عليه في وجهه، ويلقّبه الألقاب القبيحة المهينة، وإن كان في الأصل موضع إجلال واحترام وأصرّ على مخالفة التقاليد سقط من أعين الناس، وصار موضع احتقارهم وازدرائهم وصار يلمس استهانتهم به وبكلامه.

 

     وفي بعض المجتمعات وبخاصة إن كان السلوك الذي خرج فيه على تقاليد الناس وعاداتهم يعدّ كبيرة، هجره الناس، وامتنعوا عن الكلام معه امتناعا تاماَ، وتركوه يعيش بينهم منبوذاً.

 

     هذه هي أهم وسائل الضبط والتحكم الاجتماعي التي يمكن أن تقع على الفرد، وهي وسائل تتحكم بسلوك الفرد لتضبطه وفق العادات والتقاليد إضافة إلى القوانين المكتوبة التي تضمن السلطات تقيد الفرد بها.

 

     وإذا تأملنا في الأمر وجدنا أن المجتمع يسلب الإنسان القسط الأوفى والأكبر من حريته الشخصية ولا يشجع فيه أي ميل للإبداع؛ لأن أيّ إبداع هو خروج على المألوف والمعتاد؛ لذا يجد المرء صعوبة بالغة في اتباع دين، أو فكر جديد آمن به، ويحتاج الأمر إلى صلابة وقوة في الشخصية تمكنه من أن يسير عكس التيار. وهذا ما واجهه النبي ﷺ عندما بدأ دعوته في المجتمع المكي؛ الذي كان مجتمعاً يقدس التقاليد، ويدين لها، ويرفض أي تجديد، أو تغيير يخالفها. وكان لا بد لمحمد ﷺ من إعداد لهذه المواجهة مع المجتمع؛ الذي وُلد فيه، وترعرع بين ناسه، وانتمى إليه. ولعل تحنثه في غار حراء، الذي كان بإلهام من الله تعالى، إذ لم يكن عادة يتّبعها أهلُ مكة، لعل تحنثه وعزلته في الغار، هنالك في الأعلى بعيدا عن صخب مكة، وعن نظرات أهلها، لعله كان استشفاءَ لنفس النبي ﷺ من الخشية من الناس، تلك التي يغرسها مجتمع التقاليد في نفوس أبنائه منذ السنين الأولى من العمر، ومنذ أن ينهرهم عل الفعل القبيح، ويقول لهم (عيب).

 

     ولعل التريث في إظهار الدعوة كان لتربية الرسول ﷺ والمسلمين الأوائل حتى يثبتوا في وجه الضغوط الاجتماعية؛ التي كان من المتوقع أن يتعرضوا لها عندما يجاهرون بخروجهم على قيم مجتمعهم، وعاداته، ودينه. ورغم كل ذلك يبقى لدى النبي ﷺ أثر من الخشية من كلام الناس ينكشف عندما يخبره الوحي أن الله سيزوجه من زينب مطلقة ابنه بالتبني، وقد كان هذا عند عرب الجاهلية عاراً  كبيراً، إذ كانوا يساوون بين الولد بالتبني والولد الحقيقي في كل شيء.

 

     لقد تحرج النبي ﷺ من الحديث إلى الناس بما أخبره الوحي، فنزلت الآيات الكريمة تكشف ذلك كله وتنسف كل أثر لخشية الناس في نفس النبي ﷺ. قال تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً{37} مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً{38} الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً{39}} (الأحزاب:37-39).

 

     وهنا يأتي دور الاعتكاف، فالاعتكاف من حيث هو مكث في المسجد ليل نهار يحمي الإنسان من المؤثرات الاجتماعية المقيدة لحريته في أن يعيش كما يؤمن؛ إذ في العادة لا يكاد المجتمع يغيب عن بال الفرد في كل قرار يتخذه، أو تصرف يتصرفه. ولا يستطيع الإنسان أن يتحرر من ضغط المجتمع على حريته إلا إن هو خرج بنفسه خارج نطاق هذا المجتمع خروجا كاملاً، كما فعل النبي ﷺ عندما كان يتحنث في غار حراء.

 

     ولما كان هذا غير عملي للغالبية العظمى من الناس كان الاعتكاف بديلاً رائعاً له، إذ تخرج من قبضة المجتمع لتلجأ إلى بيت الله حيث تخشى الله، ولا تخشى أحداً إلا الله، وحيث تستمد قوة تعينك في مقاومة ضغوط المجتمع عليك، تلك الضغوط التي تكبلك، وتعيق نموك النفسي وتحقيقك لذاتك، وبالتأكيد يخرج الإنسان من اعتكافه وشخصيته أقوى وأنضج مما كانت عليه عندما دخل.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة