حقيقة المس الشيطاني والقرين
حقيقة المس الشيطاني والقرين
طباعة
Whatsapp
Facebook Share

 

حقيقة المسّ الشّيطانيّ والقرين

 

بقلم د. محمد كمال الشريف

 

المعضلة:

     معضلة المشكلات أمام المسلم المعاصر هو ما يعتقده الناس أن الجني يدخل في الإنسي ليَضُرّه، وقد ينطق عند الشيخ على لسان هذا الممسوس، وقد يخرج منه أو يأبى الخروج. هذا ما رأيته عندما كنت أرافق الشيخ علي خشان -رحمه الله- في دبي عامي 1990 و1991 حيث كان يدعى إلى بيوت الناس ليعالج مرضاهم. يقرأ الشيخ، ويبدأ المريض بالتشنج في أجزاء من بدنه، وبالدخول في نوع من الوعي، هو بين الوعي المألوف وبين النوم، فلا هو في وعي تام ولا هو نائم، ويبقى غالباً قادراً على الكلام. يسأله الشيخ: من أنت؟ ومن أي جن؟ فيجيب المريض معرفاً بنفسه أنه الجني الفلاني، وأنه دخل في هذا المريض لسبب كذا وكذا، فيأمره الشيخ بالخروج فيخرج دون شروط، أو يشترط أموراً ومطالب حتى يخرج، وعندما يخرج الجني يصحو المريض مرهقاً، وفي كثير من الأحيان يتحسن ما كان يشكو منه، ولا يذكر حواره مع الشيخ.

 

     من أئمة المسلمين الكبار من كان يمارس هذه الطريقة من العلاج ويراها منسجمة مع العقيدة الإسلامية، بل يفسر بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بحسب ما يرد على ألسنة المرضى من معلومات يدلي بها الجني أثناء استحضاره وإخراجه، ويرون هذه الحوارات مع الجني دليلاً على صحة فهمهم للنصوص الدينية لا يحتمل الشك، لأنه من الواقع المنظور الذي لا يجادل فيه إلا مكابر.

 

     دخول الجني في الإنسي وكلامه على لسانه لم يرد في آية ولا في حديث صحيح، لذلك ليس هو معلوماً من الدين بالضرورة ولا يكفر من ينكره، مع أن عموم أهل السنة يؤمنون بذلك. نؤمن بالجن وأن منهم شياطين ومنهم مؤمنون، وأنهم مخلوقات مُكَلَّفَة كالبشر، لكنهم ليسوا مستخلفين عن الله مثلنا، وأنهم يروننا من حيث لا نراهم، بل نؤمن بوجودهم بالغيب طالما ذكرهم الله بوضوح في قرآنه، وذكرهم محمد ﷺ في أحاديث صحيحة. لكن الإيمان بما جاء في القرآن والحديث عن الجن شيء، والإيمان أن الجني يدخل في بدن الإنسي ويتكلم على لسانه شيء آخر. هذا الاعتقاد دخل إلى العقيدة الإسلامية من كلام المرضى أثناء العلاج عند الشيخ.

 

     لم يخطئ المسلمون حين فهموا آيات وأحاديث في ضوء ادعاءات المرضى وهم في جلسات العلاج، لأن الاستفادة من حقائق الواقع في فهم آية أو حديث منهج سليم، فالواقع تتجلى فيه آيات الله المنظورة التي لا يمكن أن تناقض آيات الله المسطورة في كتابه الكريم. المشكلة أن الواقع الذي ظنوه حقيقة وفهموا النصوص على أساسه واقع يحتمل تفسيراً آخر، رغم أنه في الأصل واقع فاقع اللون وتراه كل عين. لا تستغربوا فليس في الواقع آية أوضح من شروق الشمس من المشرق وتحولها إلى كبد السماء في النهار ثم غروبها من المغرب، ومع ذلك تبين أن أرضنا هي التي تدور حول نفسها دوراناً لا نشعر به أبداً يجعل الشمس تبدو لنا قد أشرقت من الشرق ثم غربت من الغرب.

 

     ما يقوله الجني المزعوم على لسان المريض ليس وهماً بل هو حقيقة رأيتها بعيني مرات كثيرة، وكان واضحاً لي أن المريض لا يتعمد التمثيل، بل قد لا يعي على الإطلاق ما يقول، وعندما يصحو لا يذكر من ذلك شيئاً. لذلك لا ألوم الناس الذين يتشبثون بهذا الاعتقاد، إذ كيف سيكذبون عيونهم وآذانهم ليصدقوني أنها أمراض وأحوال نفسية. اليوتيوب زاخر باللقطات الواضحة التي تم فيها علاج مرضى حقيقيين وتكلم الجني على لسانهم، ولم يكن ذلك تمثيلاً درامياً في فيلم سينمائي. ما عليكم إلا أن تكتبوا في خانة البحث في اليوتيوب: "إخراج الجن من الإنسان" لتروا عدداً يصعب إحصاؤه من هذه اللقطات الطويلة منها والقصيرة، ولتروا بأعينكم ما كنت محظوظاً أن رأيته بفضل صديق عزيز واعظ وعلى علم وتخصص ديني كان يعالج الناس من المس والسحر والعين ومخلصاً في عمله قال لي يومها: "إما أن تقنعنا وإما أن نقنعك".

 

     الذي رأيته أن الحالات التي يعالجونها كلها إما حالات نفسية أو بدنية مما نراه في المستشفيات كأطباء، ولا أنكر أن بعضهم يتحسن بالعلاج على يد الشيخ. لقد ذكرتكم بشروق الشمس وغروبها الذي ثبت للبشرية أن حقيقته غير ظاهره، ولم يعد هنالك أي شك في أن الشمس لا تشرق من الشرق ثم ترحل لتغرب من الغرب، بل أرضنا تدور حول محورها متعرضة للشمس حتى الغروب، وهكذا هي حال ما نراه في جلسات العلاج عند الشيخ. هنالك من يتكلم، وقد يتكلم بنبرة صوت مختلفة عن نبرة صوت المريض المعتادة، بل قد يتكلم كلمات بلغة غير لغة المريض، ويقول إنه جني أو جنية من دين كذا أو كذا، ويساوم على الخروج من المريض، ويخرج منه دون أن نرى عند خروجه شيئاً بأعيننا، لكن عند خروجه يصحو المريض لا يذكر شيئاً مما وقع وهو تحت العلاج، ويبدو المريض صادقاً لم يمثل دوراً اتفق عليه مع الشيخ أو لم يتفقا.

 

الهُوية:

     السؤال هنا: إن دوران الأرض حول نفسها يفسر شروقها في الصباح من المشرق وغروبها في المساء من المغرب، لكن ما الذي يفسر ما يراه الشيخ ويراه الناس عندما يعالج الشيخ بعضهم؟

 

     لا بد لنا لتفسير ذلك من أن نستوعب مفهوم الهُوية Identity التي يكوِّنها كل إنسان خلال طفولته ومراهقته ليقول: إنه فلان أو فلانة من قوم كذا وعائلة كذا ودينه كذا أو لا دين له ومهنته كذا وغير ذلك مما يمكن أن يجيبك به إن أنت سألته: "من أنت؟". هي هُوية يتبناها الإنسان منذ أن يأتي إلى الدنيا، فينادونه باسم معين، ويعاملونه على أنه ذكر أو أنثى، وأنه ابن فلان وفلانة، ومن القوم المعينين والدين المحدد، إلى غير ذلك من صفات يتقمصها، فتكون صفاته التي تميزه عن غيره من البشر. هذه الهُوية تتكون بعد الولادة ولا تولد معنا.

 

     يكفي أن أتخيل أني أنا نفسي، ولكن لخطأ ما، ربتني أسرة أخرى، ربما من دين آخر ولغة أخرى، وهي تظنني ابنها، فأعطتني اسماً غير اسمي الحالي، ونسباً غير نسبي الحالي، ولساناً وديناً غير ما أنا عليه الآن. سأبقى أنا ذاتي، أي بلحمي وجسدي وجيناتي نفسها، لكني لن أكون الشخص نفسه، بل ستكون لي هُوية مختلفة تماماً اكتسبتها من تربيتي ابناً لأسرة أخرى من قوم آخرين. عندما ألقى ربي يوم القيامة سأكون بالنسبة له الشخص ذاته، لأنني الجسد والروح ذاتها، لكن اسمي يختلف وثقافتي وغير ذلك، أي هُويتي هي التي ستختلف بينما سأكون أنا أنا، لا أحد غيري.

 

     نحن في زمن أصبحت الدراما والأفلام والمسلسلات أساسية في حياتنا، وفيها يقوم ممثل ما أو ممثلة بدور شخصية من شخصيات الفيلم هي بالتأكيد ليست شخصيته الأصلية، لكنه يتقمص اسم هذه الشخصية وصفاتها ويعيش الدور طالماً يؤديه على المسرح أو أمام الكَمِرة. قد يندمج بالدور اندماجاً قوياً ينسى للحظات من هو، ويعيش الهوية الجديدة التي يقوم بدورها، لكنه واعٍ تماماً أنها ليست هويته الحقيقية، إنما هو عمل درامي يقوم به، وعند انتهاء التمثيل يعود إلى هويته ويسعد بنجاحه في تأدية الدور ونيل إعجاب الناظرين.

 

     الهُوية التي يكوِّنها كل واحد منا تلازمه طيلة حياته، ولا ينسى عادة في لحظة من اللحظات من هو، أما الممثل البارع فيعيش الدور دون أن يفقد هويته الحقيقية حتى وهو مندمج بالدور كل الاندماج. لكن في الواقع هنالك من يؤدي دوراً بهوية غير هويته ويتصرف بتصرفات غير تصرفاته المعهودة وباسم غير اسمه وربما جنس غير جنسه، أي يبقى الإنسان ذاته لكن بهوية مختلفة، كما يكون الممثل البارع وهو يؤدي دور شخصية معينة، لكنه بخلاف الممثل ينسى أنه يمثل، فيتقمص الهوية الجديدة ويعيشها بجد وصدق لفترة من الزمن قد تكون دقائق معدودة أو ساعات وفي حالات نادرة أياماً. هذه حالة مرضية يسمونها في الطب النفسي "تعدد الهُويات" لأن الإنسان هو ذاته، لكنه يتقمص هوية غير هويته، وعندما يعود لهويته الأصلية لا يذكر الأحداث التي وقعت له وهو يعيش الهوية الأخرى، وهذا هو الفرق بين التمثيل على المسرح وتعدد الهويات المرضي.

 

تعدد الهويات:

     هذه الحالة نادرة الحدوث، تحدث عند بعض الأشخاص لأسباب نفسية بحتة وتسبب لهم الإرباك في حياتهم، وهي لندرتها قد يتشكك الكثيرون في وجودها، لكنها موجودة ورأيت حالات منها، رأيتها عندما كانت المريضة تعيش الهوية المغايرة لهويتها الأصلية. في خمسينيات القرن العشرين انتبه معالج نفسي أمريكي لحالة مريضة تعاني من هذا الاضطراب وتنتابها نوبات بهويتين غير هويتها الأصلية، فكتب الرجل قصتها وقصة علاجه النفسي لها في كتاب بعنوان "الوجوه الثلاثة لحواء" The Three Faces of Eve ثم صنعوا فيلماً سينمائياً عن حالتها مبذول على اليوتيوب.

 

     بعدها اشتهرت مريضة أخرى ونشرت قصتها في السبعينيات باسم سيبل SYBIL وهي كالأولى موجودة على النت على pdfdrive.com والفيلم على اليوتيوب. بعد انتشار قصة هاتين المريضتين تنبه الأطباء والمعالجون النفسيون لهذا المرض ونشرت تقارير عن أكثر من مئة حالة موثقة، وقامت الجمعية الأمريكية للطب النفسي بإضافة هذا المرض لتصنيفها للأمراض النفسية، وأسمته اضطراب تعدد الشخصية Multiple Personality Disorder ولكنهم فطنوا بعد ذلك إلى أن المشكلة هي في الهُوية وليست في الشخصية، وإلى أن الحالة نوع من الفُكاك Dissociation في الوعي مثل الحالات الهستيرية، فغيروا اسم المرض في آخر طبعة من تصنيفهم للأمراض النفسية إلى "اضطراب الهُوية الفُكاكي" Dissociative Identity Disorder.

 

     المهم أن هذا المرض قليل المصادفة في العمل بالطب النفسي كحالة مرضية تكون هي المشكلة التي من أجلها يأتي المريض إلى الطبيب، لكنها حالة تحدث كثيراً عند تنويم المريض مغناطيسياً، أو تنويمه غير الكامل دوائياً من أجل محاورته، وهو في حالة تضعف فيها مراقبته الواعية لعقله، فيبوح بمكنونات اللاشعور عنده، التي قد تكون هي السبب في اضطرابه النفسي، كما تحدث هذه الحالة بسهولة وتلقائية عند كثير من الناس عند الشيخ الذي يحاول إخراج الجن منهم، أو عند القسيس أو حتى في المعابد الهندوسية، ويكفي أن نبحث في اليوتيوب عن مُخْرجي الأرواح الشريرة، أو إخراج الأرواح الشريرة Exorcist or Exorcism لنجد الكثير الكثير من الأفلام الدرامية والوثائقية عن إخراج الجني من الإنسي في أمريكا أو الهند أو البلاد العربية، وكيف يتكلم الجني على لسان المريض بفعل الآيات القرآنية أو  تمتمات مسيحية مناقضة للقرآن تماماً تدعي ألوهية المسيح عليه السلام، أو تعاويذ هندوسية أو بوذية، أو ربما دون آيات ولا تعاويذ، إنما مجرد سؤال المريض: "من أنت؟".

 

الدكتور مِسْمَر والمغناطيس:

     في القرن الثامن عشر ميلادي خطر ببال طبيب ألماني من النمسا اسمه فرانز آنتون مِسْمَر Franz Anton Mesmer أن الأمراض النفسية والبدنية سببها اختلال في المغناطيسية الحيوانية الموجودة في جسم الإنسان، وأن إعادة موازنتها تشفي الناس من أمراضهم، وبدأ يسقي المرضى شراباً غنياً بالحديد ويمرر مغناطيساً على أجسادهم، فيتحسن كثير منهم ويشفى مما كان يشكو منه. في موطنه فيينّا اعتبر مِسْمَر Mesmer دجالاً وسحبوا منه الترخيص، فرحل إلى باريس حيث نجح نجاحاً رائعاً، وصار يعالج مرضاه كمجموعات يمسك بعضهم بأيدي بعض، ويطوف هو عليهم بمغناطيسه يلمس أجسادهم. ثم خطر بباله أن يستغني عن المغناطيس الحديدي وأن يعالجهم بمغناطيسية بدنه هو، فصار يلمس أجساد المرضى بيده، تماماً كما يفعل المعالجون بالطاقة هذه الأيام. ورغم سخافة الفكرة كان الكثير من مرضى مِسمر Mesmer يشعرون بالتحسن.

 

     ذاع صيت مِسمر Mesmer وتشكك الأطباء في أمره، فأمر ملك فرنسا يومها بتشكيل لجنة علمية تحقق في أمر مِسمر وعلاجه، وتوصلت اللجنة -وقد كان فيها الأمريكي بنجامين فرانكلين- إلى أن المرضى يتحسنون عند مِسمر Mesmer بالإيحاء فقط، وأنه لا فائدة للمغناطيس ولا للمغناطسية البدنية على الإطلاق في علاجهم، وأن ادعاءات مِسمر عن المغناطيسية الحيوانية في جسمه وأجسام البشر الآخرين إنما هو ادعاء لا دليل عليه. تم منع مِسمر من ممارسة شعوذته ومات فقيراً مُعْدِماً. لكن بعد حين، وفي أمريكا، أحيوا صرعة مِسمر Mesmer إنما دون مغناطيس، وأسموا ذلك "التنويم الإيحائي" "الهَبْنَسَة" "Hypnosis" وما يزال اسم "التنويم المغناطيسي" هو الشائع في الثقافة العربية.

 

     المهم أنه أثناء الهَبْنَسَة التي كان مِسمر يقوم بها، كان الكثير من مرضاه يصابون بالتشنجات والاختلاجات نفسها التي تصيب المرضى أثناء قراءة الشيخ عليهم لإخراج الجن منهم. لم يكن مِسْمر يحاورهم، وبالتالي كان ما يظهر على بعض المرضى لا يصل إلى حد تقمص هوية جديدة والادعاء أنه جني دخل بدن هذا الإنسي أو غير ذلك مما يحدث عند الشيخ أو القسيس. أي كانت تصيبهم حالات هستيرية فُكاكية لا تصل حد اضطراب الهُوية الفُكاكي الذي تحدثنا عنه.

 

الهَبْنَسَة وفُكاك الوعي:

     استمرت الهَبْنَسَة أو التنويم الإيحائي Hypnosis وتحولت إلى فن وطريقة للعلاج تُمنح فيها الدرجات العلمية، ويذكر تاريخ الطب أن كثيراً من المرضى أجريت لهم عمليات جراحية وهم مُهَبْنسين Hypnotized دون تخدير، وذلك قبل تقدم التخدير الدوائي الذي وجدوه أفضل وأثبت وليس فيه خطر أن يصحو المريض في منتصف العملية ويحتاج إلى الهبنسة من جديد. أثناء التهبنس والدخول في حالة من الوعي ليست نوماً ولا يقظة إنما حالة غير مألوفة في الحياة اليومية يصاب الشخص بالخدر، ولا يشعر بالألم، وهذا ما يفسر عدم شعور المرضى بالألم عندما يضربهم الشيخ بعصاه، معتقداً أنه إنما يضرب الجني ليطرده من بدن المريض، وأن الضرب يقع على الجني ولا يقع على المريض، لذلك لا يشعر به المريض ولا يذكره عندما يصحو، ويذكرني بالصحابي الذي قرر الأطباء قطع ساقه لكنه رفض أن يشرب الخمر ليتخدر، بل طلب منهم أن يقطعوها وهو في الصلاة، حيث كان يدخل في "هبنسة ذاتية" Self-Hypnosis يقوم بها بعض الناس كوسيلة للتخلص من التوتر النفسي في هذا العصر دون ربطها بصلاة المسلمين.

 

     الهبنسة Hypnosis هي مساعدة المريض الذي عنده قابلية للفُكاك في الوعي Dissociation على الدخول في تلك الحالة الفُكاكية عن طريق طقوس إيحائية يجيدها بعض من يسمون أنفسهم مُهَبْنِسين أي منوِّمين مغناطيسيون Hypnotist. ومن الناس من ينفك الوعي عندهم بسبب الضغوط النفسية أو مرض الاكتئاب، فيتم إحضارهم إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات، وتشخص حالاتهم على أنها هستيريا. حدوث الهَبْنَسة يعتمد من جهة على مهارة من يقوم بها وقدرته على الإيحاء، ومن جهة أخرى على قابلية من تقع عليه الهبنسة للتهبنس والإيحاء عموماً، حتى دون الإيحاء الصريح له أن يسترخي ويشعر بكذا وكذا ليتم إدخاله في حالة التهبنس. كثير من الناس البسطاء وقليلي الثقافة وخاصة النساء والأطفال يتهبنسون وينفك وعيهم بمجرد الشعور بالرهبة عند الشيخ أو القسيس، فيتغير وعيهم، ويتشنجون، ويتقمصون هوية الجني الذي ركب هذا المريض، ويحاورون الشيخ أو القسيس. إن هذه القابلية العالية للإيحاء والتَّهَبْنُس Hypnotization الموجودة عند البعض، والتي تجعلهم يتهبنسون عند الشيخ أو القسيس، هي معيار التشخيص عند هذا المعالج، حيث يقول لمن يتهبنس حتى لو لم يتكلم على لسانه جني: إنه ممسوس، ويقول لمن لا يتأثر بل يبقى محافظاً على وعيه الطبيعي رغم القراءة: إنه لا يعاني من المس.

 

     ادخلوا على اليوتيوب وابحثوا عن "إخراج الجني من الإنسان" وعن الأخ "سعيد عبده" والأب "مكاري يونان" لتشاهدوا حوارات الجان على ألسنة المرضى وخروجه منهم خوفاً من "يسوع الرب"، أو على يد الشيوخ المسلمين حيث الحوار يأخذ منحىً آخر ويكون خروج الجني بفعل آيات القرآن وعقيدة لا إله إلا الله. اليوتيوب غني جداً بهذه التسجيلات ومن السهل من خلاله مشاهدة حالات "فُكاك الوعي" و "تعدد الهُوية" الذي يقع تحت الإيحاء عند الشيخ أو القسيس، ويمكنكم أن تتأملوا الحوارات الساذجة التي تعكس معتقدات المرضى وثقافتهم بما يخص المس الشيطاني، لتروا: هل تصلح هذه التخريفات لنأخذ منها عقيدة دينية أحياناً نكفر من ينكرها؟

 

المس الشيطاني ليس من ديننا:

     حان الحديث عن كيف أن الاعتقاد بدخول الجني في الإنسي وكلامه على لسانه إنما هو دخيل على ديننا تسرب إليه من معتقدات الجاهلية العربية ومن خرافات الشعوب الأخرى. من يدعون أن المس جاء في القرآن وأن النبي عالج مريضاً بإخراج الشيطان منه يستندون كثيراً على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ....﴾ [البقرة: 275]، والذي يحدث للمرضى عند الشيخ والقسيس عند محاولة إخراج الجني من أبدانهم هو نوع من التخبط، وهكذا تبدو هذه الآية دليلاً قطعياً على صحة الاعتقاد أن الجني يدخل في بدن الإنسي ويتكلم على لسانه.

 

     جاء في حديث رسول الله ﷺ الذي حكى فيه قصة معراجه إلى السماء واطلاعه على أحوال بعض أهل النار أن منهم من كلما أراد القيام والوقوف صُرِع إلى الأرض، وذكر النبي ﷺ الآية الكريمة السابقة. إنهم يُصرعون كما يُصرع مريض الصرع Epilepsy والشيخ والقسيس ينصحان مريض الصرع أن يراجع الأطباء وينفيان أن يكون ذلك مساً من الجن، بل يقولان له: عندك كهرباء راجع الأطباء، ولا يحاولان علاجه لأنهما متأكدان من الإخفاق وعدم النجاح.

 

     روى الألباني في السلسلة الصحيحة عن عوف بن مالك الأشجعي قول النبي ﷺ له: "إياك والذنوبَ التي لا تُغفَرُ، فمن غَلَّ شيئًا أُتِيَ به يومَ القيامةِ، وأكلَ الرِّبا؛ فمن أكل الرِّبا بُعِثَ يومَ القيامةِ مجنونًا يتخبَّطُ، ثم قرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275].

 

     "المس" في لغة العرب هو "الجنون"، والمعاجم ناطقة بذلك، بل كل ما له علاقة بالوعي عند الإنسان كان العرب الذين بعث فيهم محمد ﷺ يسمونه جنوناً أو مساً. يروي أبو هريرة كيف أغمي عليه ذات مرة من شدة الجوع، فصار البعض يحاول علاجه بوضع رجله على عنق أبي هريرة، ولعلها كانت طريقتهم في إخراج الجني من الممسوس أو المجنون. روى البخاري في صحيحه: "حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ، فَتَمَخَّطَ، فَقَالَ: بَخْ بَخْ، أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الجَائِي فَيَضَعْ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيُرَى أَنِّي مَجْنُونٌ، وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ مَا بِي إِلَّا الجُوعُ". إذن كل ما يطرأ على وعي الإنسان من حالة غير طبيعية يسميه العرب المس أو الجنون، والقرآن نزل بلغة العرب بحيث يفهمونه بسهولة ويسر ودقة.

 

     ثم في القرآن والحديث الشريف أدب "عزو" أي نِسبة كل ما هو سيء إلى الشيطان، لذا تعزو الآية الكريمة التخبط الذي يقع للمصروع في نوبة صرعه إلى الشيطان، وهو أدب متبع نلحظه في القرآن الكريم في مواقع عديدة منها:

  • ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف: 63]. نسب النسيان للشيطان.

  • ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: 15]. لقد نسب موسى عليه السلام تسرعه ووكزه للرجل والتسبب بموته إلى الشيطان.

  • ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: 41]. وهنا أيوب يعزو ما أصابه من بلاء قدره الله عليه ليبتلي صبره إلى الشيطان، بينما القرآن صريح أن الشيطان لا سلطان له على أحد إلا أن يوسوس له:

  • ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ابراهيم: 22]،

  • وقال تعالى مخاطباً الشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]،

  • كما قال عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99]،

  • وقال أيضاً: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100]،

  • ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 65].

 

     إذن قول أيوب عليه السلام: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ما هو إلا أدب منه مع الله وليس للشيطان عليه أي سلطة، بل كيد الشيطان محصور في الوسوسة كما جاء في الحديث الشريف التالي: "جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ أحدَنا يجدُ في نفسِه، يعرضُ بالشيء، لأن يكونُ حممةٌ أحبَّ إليه من أن يتكلَّم به، فقال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، الحمدُ للهِ الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسةِ"، رواه الألباني في صحيح أبي داود، وفي رواية أخرى: "الحمدُ للهِ الذي ردَّ أمرَه إلى الوَسْوسة".

 

     ليس للشيطان علينا من اقتدار إلا الوسوسة لنا بالمعصية، لكن نعزو كل ما يسوؤنا إلى الشيطان تأدباً أن نعزوه إلى الله الذي لا يقع في الوجود شيء إلا بقدره.

 

     إن دخول الجني في بدن الإنسان لو صح أنه ممكن فإنه يناقض القرآن والحديث، وكلاهما صريح أنه ليس للشيطان إلا أن يوسوس، ولم يجعل الله له علينا من سلطان على الإطلاق.

 

لسنا شبحاً في آلة:

     وبالعودة إلى النظرية النفسية الإسلامية نذكر أن الروح ليست هي النفس، وليس الأمر كما يظن أتباع الديانات الهندية ومن ورائهم المتصوفة وكثير من الناس -حتى الفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت- أن الشيء العاقل المدرك لذاته، الذي يفكر ويشعر بالعواطف وله الإرادة والاختيار، هو كائن آخر غير المخ، بل هو كائن غير مادي، اعتقد ديكارت أنه يتصل بدماغ الإنسان من خلال الغدة الصنوبرية بالمخ. لا نقول ليس في الإنسان روح كما يقول الماديون، لكن نقول إن الدماغ هو الذي يشعر بذاته ووجوده ويقرر لنفسه ويحب ويكره، هي كلها أعمال للدماغ الذي تبين لنا في هذا العصر أنه بمثابة كومبيوتر عظيم الإمكانات وفائق الصنع لحد أنه أدرك ذاته وتمتع بحرية اختيار حقيقية. صحيح أننا نلتقي مع الماديين في هذا التصور لكننا قبل ذلك نلتقي مع آيات القرآن الكريم التي كما قال القرطبي رحمه الله: إنه ليس في القرآن آية يمكن الاستنتاج منها أن النفس هي الروح إلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: 93]. والقرطبي في تفسيره لفت النظر إلى أن المقصود: هو عدم قدرة الكفار على إخراج أنفسهم من العذاب الذي بدأه الملائكة عند قبضهم أرواحهم وبسطوا به أيديهم، وليس المقصود أن يخرجوا أرواحهم من أجسادهم.

 

ليست الروح هي النفس:

     النفس في القرآن ليست الروح، بل الروح من أمر ربي وما أوتي الإنسان القدرة على فهمها وفهم دورها، إنما هي تنفخ في الجنين بعد مئة وعشرين يوماً من الحياة الجنينية، وبنفخها يصبح هذا الجسد الحي نفساً قال الله عنها إنها "خَلْقٌ آخر". وقد مثلت لذلك بجزيء الماء الذي يتكون من اتحاد الهيدرجين بالأكسجين فيختفيان، ويظهر مكانهما خلق آخر هو الماء المختلف تماماً عن الأكسجين وعن الهيدرجين مع أنه منهما تكوَّن. تأملوا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: 20]. إنه سبحانه وتعالى يلفت في هذه الآية أنظارنا إلا معجزة المعجزات في خلقنا، وهي أننا مصنوعون من تراب، أي من مادة الأرض، ثم إذا نحن بشر ننتشر، وبشريتنا هنا توكيد على شعورنا بأنفسنا وقيامنا بالخلافة عن الله في الأرض، لأن أجسادنا الحية مع أنها معجزة لكنها لا تميزنا، بل هي مشتركة ما بيننا وبين الحيوانات الأخرى، لكن الإعجاز الذي ما بعده إعجاز، هو أن تتمكن آلة مصنوعة من مادة الأرض من أن تدرك ذاتها وتفكر وتشعر وتختار وتريد.

 

     والجسد هو مكون أساسي من النفس البشرية إذْ خلق الله الناس من نفس واحدة هي نفس آدم عليه السلام، والذي خُلِق من آدم أجسامنا وليست أرواحنا، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: 189]. كما إن الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة بشر كلها تقريباً تشير إلى الكائن العاقل فينا والمخلوق من التراب، وهذا يؤكد أن الآية التي تلفتنا إلى إعجازه وإبداعه في خلقنا من تراب فإذا نحن بشر عاقلون مدركون لأنفسنا كما نحن مدركون لما حولنا، بينما الحيوانات تدرك ما حولها وتتعامل معه لكنها ليست مثلنا تشعر بذاتها وتفكر بعقلها، هي لاشعور فائق الروعة في الصنع ليس فيها ذات يمكننا التواصل معها كما نتواصل مع بعضنا بعضاً. ولنتأمل كلمة بشر في الآيات التالية:

  • ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47].

  • ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79].

  • ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18].

  • ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: 91].

  • ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: 27].

  • ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31].

  • ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [ابراهيم: 10].

  • ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [ابراهيم: 11].

  • ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 28].

  • ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 33].

  • ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103].

  • ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 93].

  • ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:94].

  • ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

  • ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17].

  • ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم: 20].

  • ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26].

  • ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [3 الأنبياء: 21].

  • ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].

  • ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 24].

  • ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: 33].

  • ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: 34].

  • ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47].

  • ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54].

  • ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: 154].

  • ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: 186].

  • ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20].

  • ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 15].

  • ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 71].

  • ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: 6].

  • ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: 51].

  • ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 24].

  • ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: 6].

  • ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25].

  • ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 29].

  • ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 31].

  • ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 36].

 

      المنظور من النفس البشرية هو البدن والدماغ والسلوك، أما الروح فلا أمل لنا أن نفهم عنها شيء اللهم إلا أن اتحادها بالجسد الحي يحوله إلى خلق آخر أي إلى نفس بشرية خالدة، بحيث عندما نُخْلَق من جديد يوم القيامة، نكون نحن أنفسَنا لا نسخاً عنا فيما لو كنا أجساداً حية تدرك ذاتها فحسب، نحن خلق آخر خالدون بأنفسنا وذواتنا، فيثيب الله الطائعين يوم القيامة ولا يثيب نسخاً عنهم، ويعذب العاصين أنفسهم لا مجرد نسخ عنهم، إننا خلق آخر متكون من نفخ الروح في الجسد الحي، لكن الروح ليست هي النفس، بل هي مُكوِّن فيه نحن عاجزون عن إدراك كنهه ودوره، إنما نؤمن به كما نؤمن بكل الغيبيات التي أخبرنا عنها ربنا جل في علاه.

 

      وهذا يعني استحالة دخول الجني في الإنسي وتكلمه على لسانه، واستحالة تحضير أرواح الأموات والتحاور معها على لسان الوسيط، واستحالة تناسخ الأرواح، لأن الأنفس ليست هي الأرواح كمال يظنون. الأنفس "خلق آخر" من تراب متحد مع عنصر غير مادي هو الروح التي لا نعلم عنها إلا أنها موجودة وتنفخ فينا ونحن في بطون أمهاتنا وتنزع من أجسادنا عند موتنا وليس عند نومنا، لأن نزع الروح أمر شاق يهوِّنه الله على الصالحين، وليس بسهولة الإغفاءة اللذيذة عند النعاس أو الإرهاق كما قد يفهم من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42].

 

نفوسنا العاقلة:

     المعنى الثاني للنفس في القرآن سوى الكائن البشري بكامله هو الشعور الذي فيه العقل وأفكاره، والقلب وعواطفه، وهذه هي النفس التي يتوفاها الله عند نومنا وعند موتنا، فيعيدها لمن له عمر، ويمسكها فلا تعود لمن حان أجله، ولنتأمل هذه الآيات التي وردت فيها كلمة نفس بهذا المعنى حيث النفس تطمئن، وتلوم، وتسوِّل، وتشتهي، وتهوى، وتطيب بعطائها، وتضمر الأسرار، وتخدع وتنخدع، وتغير ما فيها من أفكار ومشاعر ليغير الله حالها من حال إلى خير منه أو شر منه:

  • ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116].

  • ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9].

  • ﴿... أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87].

  • ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ...﴾ [البقرة: 109].

  • ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235].

  • ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284].

  • ﴿... يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا...﴾ [آل عمران: 154].

  • ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4].

  • ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

  • ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30].

  • ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205].

  • ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 35].

  • ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ...﴾ [التوبة: 118].

  • ﴿... قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ... [يونس: 15].

  • ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: 53].

  • ﴿... إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا...﴾ [يوسف: 68].

  • ﴿... فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا...﴾ [يوسف: 77].

  • ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25].

  • ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 67].

  • ﴿... وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: 96].

  • ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء: 102].

  • ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14].

  • ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ... [الروم: 8].

  • ﴿... وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ... [الأحزاب: 37].

  • ﴿... وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 31].

  • ﴿... وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71].

  • ﴿ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].

  • ﴿... إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23].

  • ﴿... وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: 8].

  • ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2].

  • ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27].

  • ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس: 91-92].

 

النبي أخرج شيطاناً:

     وتبقى الحجة أن النبي ﷺ عالج مريضاً بأن أخرج منه شيطاناً، وهي واردة في أحاديث صحيحة منها:

  1. روى الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رجاله رجال الصحيح عن مرة بن شراحيل "أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ معها صبيٌّ لها به لَمَمٌ فقال النَّبيُّ ﷺ اخرُجْ عدوَّ اللهِ أنا رسولُ اللهِ قال فبرِئ قال فأهدَتْ إليه كبشَينِ وشيئًا من سمنٍ وأَقِطٍ قال فقال النَّبيُّ  خُذِ الأَقِطَ والسَّمنَ وأحدَ الكبشَينِ ورُدَّ عليها الآخرَ" واللّمَم عند العرب طرف من الجنون.

  2. روى الألباني في صحيح ابن ماجه عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: "لمَّا استعمَلني رسولُ اللَّهِ ﷺ على الطَّائفِ جعلَ يعرضُ لي شيءٌ في صلاتي حتَّى ما أدري ما أُصلِّي، فلمَّا رأيتُ ذلِكَ رحلتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: ابنَ أبي العاصِ؟ قلت: نعَم يا رسولَ اللَّهِ. قال: ما جاءَ بِك؟ قلت: يا رسولَ اللَّهِ، عرضَ لي شيءٌ في صلواتي حتَّى ما أدري ما أصلِّي قال: ذاكَ الشَّيطانُ ادنُه فدنوتُ منْهُ، فجلستُ على صدورِ قدميَّ، قال: فضربَ صدري بيدِهِ، وتفلَ في فَمي وقال: اخرُجْ عدوَّ اللَّهِ ففعلَ ذلِكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قال: الحق بعَملِكَ قال: فقالَ عُثمان: فلعمري ما أحسَبُهُ خالطني بعدُ."

  3. جاء في زاد المعاد لابن القيم عن النبي ﷺ "أنَّه أتَتْهُ امْرأةٌ بابْنٍ لها قد أصابَهُ لَمَمٌ، فقال له النَّبيُّ : اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أنا رَسولُ اللهِ، قال: فبرَأَ، فأهْدَتْ له كَبْشينِ وشَيئًا مِن أقِطٍ وسَمْنٍ، فقال رسولُ اللهِ : يا يَعْلى، خُذِ الأقِطَ والسَّمْنَ، وخُذْ أحَدَ الكَبْشينِ، ورُدَّ عليها الآخَرَ." (وثق رجاله شعيب الأرناؤوط).

 

     وردّنا على ذلك أن دماغ الإنسان حين المرض واضطراب النواقل العصبية أو الكهرباء فيه، يصبح عُرْضة لوسوسة زائدة من الشيطان، مثلما يكون الكمبيوتر الذي ليس فيه برنامج حماية عرضة للفيروسات، فإن أصابه فيروس اضطرب عمله حتى نأتي ببرنامج يستأصل هذا الفيروس، وقد قام النبي ﷺ بذلك بطريقة خاصة به وإعجازية لم يشرعها لنا، وإن كان لم يَنْهَنا عن تقليده فيها، إنما الذي لنا نحن هو علاج الدماغ مما أصابه من علة، فيعود حصيناً أمام الشيطان، إلا أمام القرين الذي لم ينجُ منه حتى الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ [الحج: 52]. لكن ما كان خاصاً بالنبي ﷺ فلا نقلده فيه طالما لم يشرعه لنا ولم يعلمنا أن نفعل مثلما فعل، والدليل على ذلك فعله عندما كان علي بن أبي طالب يوم خيبر يشتكي عينيه، أي بهما رمد، فبصق الرسول ﷺ في عينيه فشفي:

     "روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَومَ خَيْبَرَ: لَأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ علَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ، قالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا علَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أنْ يُعْطَاهَا، فَقالَ: أيْنَ عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ. فقِيلَ: هو يا رَسولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قالَ: فأرْسَلُوا إلَيْهِ. فَأُتِيَ به فَبَصَقَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ في عَيْنَيْهِ ودَعَا له، فَبَرَأَ حتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ به وجَعٌ، فأعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ: يا رَسولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حتَّى يَكونُوا مِثْلَنَا؟ فَقالَ: انْفُذْ علَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلَامِ، وأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليهم مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ."

 

     وسؤالي لكل من يقلد محمداً ﷺ في طرد شيطان استغل مرض أحدهم وصار يوسوس له ويشوش عليه، أسأله: لو أصاب عينيه أو عيني ولده الرمد، هل يذهب إلى رجل آخر من الصالحين كي يبصق له في عينيه أو في عيني ولده، أم يقول: "دُلّوني على أفضل طبيب للعيون" فيراجعه ويطلب عنده العلاج والشفاء.

     ثم إن قول النبي ﷺ للشيطان: "اخرج" لا يعني أن الجني يدخل في بدن الإنسي ويتكلم على لسانه ويخرج عند الشيخ خشية أن يحرقه بالقرآن أو عند القسيس خشية من "الرب يسوع" تعالى الله عما يقولون. قد يكون من المفاهيم المحتملة لحديث "اخرج" ما يعتقدونه حول المس لكن ذلك احتمالي وليس قطعياً، ثم هو غير معتبر في ضوء الأدلة القطعية دلالة وثبوتاً التي سقناها ونحن نبين استحالة دخول الجني في الإنسي والتكلم على لسانه.

 

ليس في القرآن ولا في الحديث:

     نحن لا نقول: إن المس لم يرد في آية أو حديث... إنه فعلاً لم يرد بالمعنى الذي اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن، وهو أن الجني يدخل في بدن الإنسي ويتكلم على لسانه، هذا المعنى طرأ على كلمة "مس" بعد نزول القرآن واستمداد المعلومات من ألسنة المرضى، وقبل القرآن كان من معاني "المس" عند العرب "الجنون" دون تحديد آلية معينة، إنما جاءت كلمة "مس" ومشتقاتها في القرآن والحديث بالمعاني المفهومة عند العرب، فهي قد تعني "اللمس باليد" المعروف وفي مواضع كثيرة تعني "الجماع الجنسي" وقد تعني "أصاب" كما تمس الناس البأساء والضراء، لكنها أبداً لا تعني ما يدعيه المرضى وهم في حالات الهَبْنَسة وانفكاك الوعي من أن الذي يتكلم هو جني دخل جسم المريض ولن يخرج، إلا بشروط في حالات كثيرة، ولو تتبعنا هذه الشروط التي يضعها الجان للخروج من أجساد المرضى لأدهشنا أنها كلها عموماً طلبات لصالح المريض أو لصالح الشيخ أو القسيس المعالج، إن كان الجني دخل فيه أو فيها ليؤذيهما فلِمَ يطلب لخروجه شيئاً يرغبانه.

 

     منذ أكثر من عشرين سنة عندما كنت أعمل في الإمارات حدثني أهل بعض المرضى عن شيخ في المدينة المنورة يدعى "علي العمري" يقصده الناس للعلاج من المس، حتى أنه ما كان يقرأ على مريض مريض من كثرة المراجعين، بل يقرأ عليهم جماعات جماعات، وهذا ذكرني بحكاية الطبيب مِسْمَر الذي حدثتكم عنه، وقد أتيح للشيخ علي العمري الاطلاع على بعض المعلومات عن الأمراض النفسية فتوقف عن علاج الناس، وأعلنها في فيديوهات على اليوتيوب، أن الاعتقاد بدخول الجني في بدن الإنسي وتكلمه على لسانه لم يرد في آية كريمة أو حديث صحيح، ومن شاء فاليوتيوب أمامكم.

 

     يجب أن لا يفحمنا ويسكتنا من يأتينا بآية فيها كلمة "مس" ويعتبرها برهاناً على صحة المس الذي يدعيه المرضى عند الشيخ أو القسيس، بل نجادله أن يأتينا بنص واحد دلالته قطعية على المس بالمعنى المنتشر عند الناس. ولنتأمل هذه النصوص التي جاءت فيها كلمة "مس":

  • ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80].

  • ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].

  • ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236].

  • ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].

  • ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47].

  • ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 174].

  • روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيَّاهُ، إلَّا مَرْيَمَ وابْنَها، ثُمَّ يقولُ أبو هُرَيْرَةَ: واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36].

  • وروى أيضاً: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطانُ في جَنْبَيْهِ بإصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غيرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ في الحِجابِ."

 

يجري مجرى الدم:

     نعم، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما قال نبينا ، وهذا الذي يجري منا مجرى الدم -سواء كانت العبارة مقصودة بمعناها الحرفي المادي أم هي تشبيه بلاغي للتأكيد على قدرة الشيطان على أن يوسوس لنا فنسيء الظن ببعضنا بعضاً- فالشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم هو قرينه من الجن الذي يوسوس له بالسوء، والذي لا يغادرنا أبداً، لا خوفاً من يسوعٍ ادّعى بعضنا أنه الرب، ولا خوفاً من أن يحرقه الشيخ بالقرآن، ولا خوفاً من الضرب والخنق أن يقع عليه، ولا نفوراً من بُصاق الشيخ في فم المريض، بل هو ملازم حتى للأنبياء والرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: 52]، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ أنه "كانَ النبيُّ ﷺ في المَسْجِدِ وعِنْدَهُ أزْوَاجُهُ فَرُحْنَ، فَقَالَ لِصَفِيَّةَ بنْتِ حُيَيٍّ لا تَعْجَلِي حتَّى أنْصَرِفَ معكِ، وكانَ بَيْتُهَا في دَارِ أُسَامَةَ، فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ معهَا، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الأنْصَارِ فَنَظَرَا إلى النبيِّ ، ثُمَّ أجَازَا، وقَالَ لهما النبيُّ : تَعَالَيَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ، قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وإنِّي خَشِيتُ أنْ يُلْقِيَ في أنْفُسِكُما شيئًا"، ومع أنه ما منا إلا من وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، إلا أن القرآن الكريم لم يعبر بكلمة "مس" عن وسوسة الشيطان للإنسان، بل تكررت في هذا المَعْرض كلمة "نزغ"، فاقرؤوا إن شئتم هذه الآيات الكريمة:

  • ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200].

  • ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100].

  • ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53].

  • ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36].

 

التفصيل حول القرين:

     أراد الله أن يخلق بشراً من طين يقوم بالتصرف في الأرض كخليفة عن الله يتخلق بأخلاقه، ويتصرف كما كان الله ذاته سيتصرف لو كان مكانه، وهذا بالضبط ما يقوم به أي خليفة في غياب من استخلفه ووضعه مكانه ريثما يعود من غيبته أو يفرغ من انشغاله. بالطبع ربنا لا يغيب ولا يشغله شيء عن شيء، إنما أراد استخلاف الإنسان في الأرض ليرى ما سيفعله هذا المخلوق المصنوع من مادة الأرض، حيث يتصرف كما يمكن أن يتصرف الخالق ذاته. إبداع ما بعده إبداع وعظمة ما بعدها عظمة.

 

     أن يكون الإنسان خليفة الله في أرضه يعني أن له مكانة سامية ليس فوقها إلا مكانة رب العالمين الذي استخلفه، لذلك أمر ربنا ملائكته أن يسجدوا لآدم سجود التحية، وليس سجود العبادة، بمجرد أن يخلقه الله وينفخ فيه من روحه.

 

     كان مع الملائكة مخلوق من نار، عابد لله عبادة فائقة، أهلته أن يعيش مع الملائكة المخلوقين للطاعة والعبادة، مع أنه مخلوق للابتلاء والاختبار، حيث لديه القدرة على المعصية والتمرد، بينما الطاعة هي طبيعة الملائكة التي لا يستطيعون الخروج عليها ولو شاؤوا، وما كان لهم أن يشاؤوا ما لم تودع نفوسهم الميل له.

 

     كان ابليس العابد لله مع الملائكة مع أنه من الجن، أي مخلوق أرضي مثل آدم. ولما كان إبليس مع الملائكة كان عليه أن يسجد لآدم سجود التحية كما سجدت له الملائكة كلهم، إلا أنه أبى السجود وتمرد على أمر الله.

 

     إبليس العابد الذاكر المتقرب إلى الله، كان مستكبراً لا يرى فوقه أحداً إلا الله، وكانت تحيته لآدم بالسجود إقراراً منه أن لآدم مكانة تفوق مكانته... ثارت كبرياؤه فعصى الله، وأدعى أنه خير من آدم، لأنه مخلوق من النار، بينما آدم خلق من طين.

 

     لقد عصى إبليس ربه وفقد المكانة التي كانت له عند الله، حيث مكانة المخلوق عند الخالق سبحانه وتعالى تسمو وتعلو، بقدر ما يظهره هذا المخلوق من حب وطاعة لله؛ وكان أن تعامى إبليس كما يتعامى فاسدوا الشخصية المتمردون على القيم والأخلاق والشرائع عن مسؤوليتهم ودورهم في المصائب التي يجلبونها لأنفسهم والجرائم التي يرتكبونها، فيلومون غيرهم بدل أن يلوموا أنفسهم... هذا ما فعله إبليس حين توجه باللوم إلى رب العالمين، على أنه كرّم آدم عليه، فاضطرته كبرياؤه، أي إبليس إلى الوقوع في الغواية والتمرد على الله، وفقد المكانة المتميزة التي كانت له عند الله؛ اعتبر إبليس رب العالمين هو من أغواه وأخرجه مما كان فيه من قرب من الله، لأنه لو لم يمتحنه هذا الامتحان الذي كان الله يعلم أن إبليس لن ينجح فيه، لو لم يمتحنه امتحاناً هو لا بد مخفق فيه، لبقي حيث كان مع الملائكة منتفعاً بذكره لله ومقرباً إليه.

 

     امتلأت نفس إبليس حقداً على آدم، لأن الله كرَّمه عليه وجعله في مكانة أعلى من مكانته، وصمم على الانتقام من آدم وذريته بإغوائهم ودعوتهم إلى أن يقعوا فيما وقع هو فيه من معصية لله وتمرد عليه. وتحدى إبليس رب العالمين أن الله لن يجد أكثر بني آدم طائعين، بل سيغويهم ويضلهم انتقاماً منهم وإثباتاً لله أن آدم وذريته ليسوا خيراً منه، ولا يستحقون أن يكرمهم الله إكراماً يفوق إكرامه لغيرهم من المخلوقات. طلب إبليس من الله أن يمهله ولا يميته إلى يوم القيامة، كي يتمكن من تحقيق ما تحدى الله به من إضلال آدم وذريته. ربنا الحليم أمهله، وإبليس لم يضيع الفرصة، فوسوس لآدم وحواء أن يأكلا من شجرة حرمها الله عليهما في الجنة بينما أباح لهما أن يأكلا من ثمر الجنة ما يشاءان... خدعهما إبليس وأقسم لهما الأيمان أنه ناصح لهما، وأن الذي يأكل من الشجرة التي حرمت عليهما، يضمن الخلود فلا يموت أبداً، ويضمن الغنى فلا يفتقر أبداً. لقد علم إبليس نقطة الضعف عند الإنسان، وهي خوفه من الموت وخوفه من الفقر، فاستغل هذا القلق الوجودي لديهما وحثهما على الأكل من الشجرة، فنسيا تحذير الله لهما من أن ينجح إبليس في إخراجهما من الجنة، ونسيا أن إبليس عدو لهما ولا يمكن أن يدلهما على خير أبداً... فأكلا من الشجرة، فبدت لهما سوآتهما، أي مخارج البول والبراز منهما، التي خلقها الله فيهما حين خلقهما للأرض، يأكلان هما وذريتهما من ثمرها، فيتم هضم ما يأكلون وتنتج عنه فضلات لابد من إخراجها من أجسادهم، وإلا كانت أذىً يمكن أن يقتلهم... كانوا قبل ذلك يأكلون من ثمر الجنة الذي لا ينتج عنه بول ولا براز، إنما فضلاته يطرحها جسم الإنسان على شكل تعرق رائحته زكية تزيده نعيماً على ما هو فيه من نعيم.

 

     بدت لآدم وزوجه سوآتهما عندما خرج منهما ما يقرف الإنسان منه ويشمئز ويخجل أن ذلك يخرج منه؛ عندها شعرا بضرورة ستر فتحات البول والبراز حتى عن بعضهما بعضاً، لأنها كانت تذكرهما بنقصهما البشري الذي به نشبه باقي الحيوانات. عاتبهما الله ولقنهما الدرس الذي يريدهما أن يستوعبانه، فأخرجهما من الجنة وأنزلهما إلى الأرض التي خلقهما بالأصل لها خلفاء له فيها، وأنزل معهما عدوهما اللدود إبليس، لتبدأ رحلة الصراع بين آدم وذريته من جهة، وإبليس وذريته من جهة أخرى.

 

     التحدي كان من إبليس لله، لكن العداء والمعركة هي بيننا وبين إبليس وذريته من شياطين الجن، الذين أذن ربنا أن يلازم كلاً منا قرين منهم يحاول غوايته ويزين له معصية الله، ليتحقق النصر لإبليس في التحدي الذي دخله مع خالقه. نعم لكل من آدم وبنيه قرين من الجن أتباع إبليس سماهم ربنا شياطين، لأنهم متمردون مثل أبيهم إبليس، وفي لغة العرب كل عاتٍ متمردٍ من الجن والإِنس والدواب شيطان.

 

     ربنا رحيم بنا وعادل معنا وما كان ليتركنا ضحايا الإغواء ثم يعاقبنا على معصيتنا له وهو يعلم ضعفنا وقابليتنا للخطيئة، فقيض لكل إنسان قريناً آخر من الملائكة يدعوه إلى الخير وإلى عدم الطاعة لقرينه من الجن الذي لا يمل من محاولة إغوائه وحثه على العصيان. لكل منا قرينان كما قال حبيبنا رسول الله .

 

     روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنكُم مِن أحَدٍ، إلَّا وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ قالوا: وإيَّاكَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: وإيَّايَ، إلَّا أنَّ اللَّهَ أعانَنِي عليه فأسْلَمَ، فلا يَأْمُرُنِي إلَّا بخَيْرٍ". غَيْرَ أنَّ في حَديثِ سُفْيانَ: "وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ."

 

     وفي رواية عند الإمام أحمد: "ما منكم مِن أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكةِ قالوا: وإيَّاك يا رسولَ اللهِ قال: وإيَّايَ لكنَّ اللهَ أعانني عليه فأسلمَ فلا يأمرُني إلا بخيرٍ".

 

     القرين هو الشيطان يوسوس داعياً لنا إلى معصية الله والوقوع فيما حرمه علينا، والقرين الثاني هو الملاك يوسوس داعياً لنا إلى طاعة الله واجتناب ما حرمه علينا... دعوتان في الوقت نفسه باتجاهين متضادين، بحيث تُبْطِل دعوة الملك تأثير دعوة الجني، وتكون محصلة الدعوتين صفراً، وتبقى للنفس البشرية حريتها المطلقة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن شاء فليُطِع الله ومن شاء فليَعْصِه، وفي الآخرة ثواب للطائعين وعقاب للعاصين.

 

     الذي يلفت النظر في ديننا هو التركيز على الشيطان ووسوسته للإنسان بمعصية الله، ولوم الشيطان على غوايتة الإنسان دون إعفاء للإنسان من مسؤوليته عما يعمل، تركيز مذهل يتجلى في تكرار الكلام عن الشيطان والتحذير منه في القرآن والحديث، بينما ذُكر القرين من الملائكة مرة واحدة في حديث صحيح، ولم يذكر في حديث آخر ولا في آية قرآنية؛ ولابد من حكمة وراء ذلك من الحكيم الخبير الخلاق العليم الذي يعاملنا برحمته ويخوفنا من عدله.

 

     إن هذا الإبراز لدور الشيطان في الوسوسة لنا بالسوء، وإغفال وسوسة الملاك لنا التي تبطل مفعول وسوسة الشيطان، مقصود كي نعزو أخطاءنا لوسوسة الشيطان ونعزو طاعاتنا لأنفسنا، إذ لا نذكر أن هنالك من يوسوس لنا بالخير؛ فنرضى عن أنفسنا ونتحمس أكثر للطاعات التي نراها نابعة من أنفسنا، ولا نمقت أنفسنا عندما نعصي الله لأننا نعزو ذلك إلى الشيطان الذي أغوانا، فنستغفر الله ونتوب إليه ولدينا الجرأة الأدبية على أن نعود له بعد أن عصيناه بكامل حريتنا وإرادتنا طالما أن الله قد وكل بكل منا ملاكاً يوسوس له بالخير ليبطل أثر وسوسة الشيطان له بالشر.

 

     في علم النفس أبحاث كثيرة حول العزو Attribution وأهميته في حياتنا النفسية وبالذات في عواطفنا ومشاعرنا. ومن حيث رؤيتنا لمركز التأثير في حياتنا هل هو داخل أنفسنا أم خارجها، فيميل المعافى نفسياً منا لرؤية الفضل لنفسه في نجاحاته، وللوم العوامل الخارجة عن نفسه على إخفاقاته، بينما المكتئب يُفْرط في لوم ذاته وكرهه لها ورغبته في معاقبتها. ربنا أغفل ذكر القرين الملاك ودوره الإيجابي كي تبقى لدينا القدرة على الانحياز لأنفسنا، فنعزو إليها الخير وننفي عنها الشر، إنما نعزوه لوسوسة الشيطان.

 

     ثم هنالك أثر آخر لإبراز دور الشيطان ووسوسته والتعتيم على دور الملاك ووسوسته، بحيث لا يخطر ببالنا إلا أن هنالك شيطان يوسوس لنا بالشر مع أن وسوسته تبطلها وسوسة الملاك ولا يكون لها أي أثر حقيقي على أفعالنا... الأثر الآخر هو أن لا نعزو رغباتنا فيما حرمه الله من شر لأنفسنا، بل نعزوها لغيرنا أي إلى الشيطان، مع أنها رغبات أنفسنا ومنا نابعة، فتتم عملية نفسية أدعوها الأَجْنَبَة estrangement حيث نعتبر رغباتنا المحرمة أجنبية strange عن أنفسنا، ونعتبرها منزلقاً يدعونا للوقوع فيها عدو لنا حريص على أن يقودنا إلى النار، فنكره هذه الرغبات، ويهون علينا عدم إشباعها والصبر على الحرمان منها حتى لو كانت فيها لنا لذة ومنفعة. بينما لو عزوناها لأنفسنا سنكون أكثر ميلاً إلى إشباعها حتى لو كانت محرمة، لأننا مفطورون على حب أنفسنا والتحيّز لها والاستجابة لها.

 

     ربنا لم يكذب علينا عندما حدثنا مراراً وتكراراً عن وسوسة الشيطان لنا وعداوته لنا وحرصه على إخراجنا من رحمته، لكنه حمانا من وسوسة الشيطان بوسوسة تعادلها وتضادها في الاتجاه يقوم بها قرين لنا من الملائكة لا يفارقنا أبداً ولا يدع الشيطان ينفرد بنا لحظة واحدة. لقد أمهل ربنا إبليس وأذن له أن يجهد هو وذريته في محاولة إغوائنا، واستغل ذلك ليوهمنا أننا نحن الخيّرون دوماً، فنعزو لأنفسنا فعل الخيرات، وننسب ما نقع فيه من الشرور إلى ضعفنا واستجابتنا لوسوسة الشيطان، فلا ننتبه لدورنا نحن في الميل إلى المعاصي، مع أن الله ألهم نفوسنا فجورها وتقواها، وهدانا نَجْدين إما شاكراً وإما كفوراً، وفي ذلك تتجلى رحمة الله لنا ولطفه بنا وحرصه علينا، دون أن ينقص من حريتنا التي منحنا الله إياها في الدنيا شيئاً.

 

علاج المس نافع:

     والسؤال الملح على عقول الناس الذي يجعلهم يقتنعون بفرضية المس الشيطاني التي يقول بها القسيس والشيخ المعالجان هو: إن كان المس بهذا المعنى مستحيلاً فلِمَ يتحسن كثير من المرضى بعد خروج الجني المزعوم منهم؟

 

     الأطباء يعرفون دور الدواء الوهمي Placebo حيث يتحسن حوالي ثلث المرضى النفسيين والمرضى المتألمين بمجرد تناولهم دواء لا مادة دوائية فاعلة فيه، بل ربما كبسولات مملوءة طحيناً لا أكثر. إن الطمأنينة التي تأتي من القناعة أن الإنسان قد تناول دواءً وشفاؤه متوقع تجعل كثيرين يتحسنون دون دواء، لذلك عندما تُكتشف مركبات دوائية جديدة، فإنها لا تعتبر أدوية إلا بعد دراسة تأثيرها على عدد كبير من المرضى، نعطي نصفهم الدواء الجديد، ونعطي النصف الآخر دواء مزيفاً وهمياً، وكل من المرضى والدارسين يجهلون مَنْ مِنَ المرضى يأخذ الدواء الحقيقي ومَنْ منهم يأخذ الدواء الوهمي، وعند انتهاء التجربة وقياس التحسن عند جميع المرضى يكون ممكناً بالعودة إلى سجلات الصيدلية معرفة من كان منهم يتلقى الدواء الحقيقي ومن كان يتلقى الدواء المزيف، وتُدرس نسبة من تحسنوا ممن تناولوا الدواء الحقيقي وتقارن بنسبة من تحسنوا بالدواء المزيف أي تحسنوا بالوهم، فإن تقاربت النسبتان قلنا: إن هذه المادة ليست فعالة وليست دواء على الإطلاق، أما إن كانت نسبة من تحسن على الدواء الجديد أعلى كثيراً من نسبة من تحسن على الدواء المزيف، قلنا إن الدواء الجديد فعال ويستحق أن يوصف للمرضى على أمل أن يتحسن به عدد كبير منهم. يتحسن ثلث مرضى الاكتئاب على الدواء المزيف أي على الوهم والإيحاء، بينما يتحسن الثلثان على مضادات الاكتئاب وهذا ما يبرر وصفها لهم بما في ذلك من كلفة مادية ومن احتمالية الآثار الجانبية التي قد تسببها مضادات الاكتئاب لبعض من نعلجه بها.

 

     إن تحسن مرضى مِسْمَر Mesmer وتحسن الناس عند الشيخ والقسيس وعند الرقية وربما بمجرد شربهم ماء يعتقدون بنفعه كماء زمزم أو ماء قرأ عليه الشيخ أو القسيس، كل ذلك ناتج عن مفعول البلاسيبو Placebo حيث يقوم العامل النفسي بتنشيط آليات الشفاء الذاتي التي جعلها الله في أجسامنا، والتي منها المناعة تجاه الإنتانات الجرثومية والفيروسية والخلايا الشاذة السرطانية وغير ذلك من أسباب اختلال التوازن في أجسادنا.

 

مهمة لم تكتمل:

     لا أدّعي أنني في هذا المقال قد نجحت في حل معضلة الاعتقاد بالمس الشيطاني، لأن الكثير من المعلومات النفسية التي ذكرتها سهل فهمه على دارسي الطب النفسي وعلم النفس، لكنها تحتاج إلى بسط وتبسيط وأمثلة أكثر كي يفهمها القارئ العادي، أي معظم الأمة من معالجين ومتعالجين، لذلك أتمنى على زملائي المتخصصين في الطب النفسي وفي العلاج النفسي أن يقوموا بذلك، وأن يصدروا كتباً كاملة حول هذا الموضوع، لأنه يستحق منا ذلك، ولأننا لن نتقدم ونساهم في العلوم النفسية المعاصرة ما لم نتجاوز معضلة الاعتقاد بالمس الشيطاني، ولأني منذ أكثر من عشرين سنة نشرت لي مجلة وزارة الأوقاف الإماراتية "منار الإسلام" مقالاً حول هذا الموضوع، ووعدت القراء فيه أن أنشر له جزءاً ثانياً، ونويت أن أترجم قصة المريضة Eve ذات الهويات المتعددة، لكن حتى الآن لم يُقَدِّر لي الله ذلك، لهذا أرمي الحمل على إخوتي المتخصصين ليكملوا ما بدأت به، وإن الموضوع لجدير أن يكون أطروحة دكتوراة أو موضوع كتب تخاطب العامة، لننفي عن ديننا ما علق به مما ليس منه ومما لم يعد مناسباً لثقافة عصرنا وتقدمه.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة