تعدد الزوجات إعزاز لهن
تعدد الزوجات إعزاز لهن
Whatsapp
Facebook Share

 

تعدُّد الزّوجات إعزاز لهن

 

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف

 

     كثيراً ما ينتاب المرأة في هذا العصر الشعور بالمهانة إذا تزوج زوجها امرأة ثانية، ويعتبر الذين ينتقدون الشرع الإسلامي -إنتقاد الكاره- يعتبرون تعدد الزوجات في الإسلام ترسيخاً منه لعلو مكانة الرجل على المرأة لمجرد أنه ذكر وأنها أنثى، إذ التعدد حق للرجل ليس له مقابل بالنسبة للمرأة.. ومع هذه الإنتقادات جاء الوهم أن الزوجة الثانية إهانة للأولى وإذلال لها، فزادت معاناة التي يتزوج زوجها بثانية بسبب توهم الإهانة إضافة إلى الشعور المتوقع لدى كثير من النساء بالغيرة في مثل هذه الأحوال.

 

     لكن الذي يتفكر في أحوال كثير من الزوجات اللواتي يتحملن حياة كلها معاناة مع أزواج لم يعددوا، إنما لم يحسنوا معاملة هؤلاء الزوجات، ولم يظهروا لهن ما يستحققن من احترام هن أهل له بحكم إنسانيتهن، وبحكم أنهن شقائق الرجال الذين لا يحق لهم أن يتعالوا عليهن أو أن يتكبروا.. تتحمل الكثيرات حياة المرارة والذل والجفاء، لا من أجل الأطفال فحسب، بل للخوف الشديد أن إحداهن إذا طلقت وعادت إلى بيت والديها إن كانا حيين أو إلى بيوت إخوتها، ستكون ضيفاً ثقيلاً وبمثابة خادمة لهم وقد لا تتزوج بعدها أبدا، إلا إن هي رضيت بزوج كبير في السن، أو عنده أطفال من زوجة أخرى يريدها خادمة لهم، وقد لا يكون هو مستعداً لاستقبال أحد من أطفالها في بيته... والواقع يقول أنه قلما يقبل شاب أو رجل فيه من الصفات ما يعجب النساء، قلما يقبل على مطلقة يتزوجها. واحتمال بقاء المطلقة بلا زواج ما لم ترضَ بزوج ذي عيوب احتمال كبير، وصبر الزوجة على حياة تعيسة مع زوجها خوفاً من الطلاق شيئ قابل للفهم في واقعنا المعاصر.

 

     والذي أقوله، إن نظام تعدد الزوجات لو انطلق في مجتمعاتنا كما كان سائداً قديماً لما صبرت امرأة على الذل مع زوج سيء الأخلاق، إذ الرجال مفطورون على الميل إلى التعدد في الزوجات، لكن أعداد النساء لا تزيد على أعداد الرجال كثيراً جداً، ففي الغالب هنالك إحدى وخمسون امرأة لكل تسعة وأربعين رجلاً، أي إنه لكل مائة رجل تتوفر اربع نساء يمكن أن يكنّ زوجات ثانيات، وهذا يعني أنه لو تزوج كل الرجال لما تمكن أكثر من أربعة إلى خمسة بالمائة منهم من الحصول على زوجة ثانية، وبالتالي ستبقى الغالبية العظمى منهم لا يجدون امرأة بلا زوج لتكون لهم الثانية، وإن احتمال أن يكون للمرأة ضرة -أي زوجة ثانية لزوجها- لا يزيد على خمسة بالمائة. وفي حال كهذه سيكون الطلب على النساء أكبر بكثير من العرض، وكل شيء زاد الطلب عليه عما هو متوفر منه زادت قيمته وارتفع ثمنه وعلا قدره، وهذا أمر ينطبق على ما يسمى "سوق الزواج" ومثله "سوق العمل" كما ينطبق على السلع التجارية.

 

     إن تعدد الزوجات في عصرنا هذا قلما يجرؤ عليه رجال على قدر عالٍ من الثقافة والإلتزام ممن يتوقع منهم أن يعطوا صورة حسنة عن هذا النظام، حيث يعدل بين زوجتيه وبين أولاده من كليهما، فلا يكون الحال كواقعنا اليوم، إذ لا نكاد نذكر تعدد الزوجات إلا ونذكر معه القصص الكثيرة عن أزواج لا يرون في النساء إلا أدوات متعة، أزواج يميلون إلى الثانية كل الميل و يذرون الأولى كالمعلقة هي وأولادها. إن الرأي العام غير المحبذ لتعدد الزوجات نتيجة الهجوم الذي يتعرض له الإسلام من الغربيين جعل الإقدام على الزواج من ثانية بمثابة سير عكس التيار، لا يجرؤ عليه إلا البطل، أو رجل لا يحترم الآخرين ولا يبالي بهم ولا برأيهم فيه، إنما يريد تحقيق رغباته وحسب، فتكون نسبة السيئين ممن يجرؤون عليه عالية، والكرام الذين يجرؤون هم الأقلية، وبذلك تضيع قصص نجاحاتهم في خضم قصص المآسي.

 

     وهكذا نرى في عصرنا هذا زيادة في المتوفر من النساء لمن يرغب في الزواج، أي زيادة في العرض على الطلب وهذا يؤدي إلى خفض مكانة المرأة في المجتمع وإلى خوفها الرهيب من الطلاق.

 

     إنه عندما يعود لتعدد الزوجات دوره في حياتنا فيقبل عليه الأزواج الصالحون دون تحرج أو خوف من كلام الناس وهمزهم ولمزهم، ولا يخشى الذي يعدد من أن لا يبدو متقدماً وعلى مستوى العصر إن هو تزوج بثانية، وشرط ذلك بالطبع القدرة المالية والعدل ما أمكن بين الزوجتين.. عندها يزداد الطلب على النساء ويقل العرض، وعندها لا تخشى امرأة من العنوسة، ولا تخاف زوجة معذبة من الطلاق الذي يعيد إليها كرامتها، فهي تعلم أنها ما إن تنتهي عدتها حتى يأخذ الراغبون في الزواج بطرق بابها، وتعلم أن الأمل كبير في أن تجد بينهم من يعجبها حقاً لا من ترضى به من القِلّةِ.. إن في ذلك عز للنساء كبير، لكن له ثمن تدفعه خمسة بالمائة منهن تقريباً، وهو أن هؤلاء سيكون لهن ضرائر، وبعضهن غيرتهن زائدة والباقيات لا يخلون من الغيرة نهائياً على أي حال.

 

     وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي قال: "إن الله تعالى كتب الغَيْرةَ على النساء والجهاد على الرجال، فمن صبر منهن إيماناً وإحتساباً كان لها مثل أجر شهيد" (رواه البزار والطبراني وغيرهما وحسَّن الألباني بعض رواياته وضعّف الباقي). النبي  يقر هنا أن تعدد الزوجات أباحه الله للرجال وهو كره للنساء، أي كتبه الله على النساء وهو كره لهن مثلما كتب الله القتال على الرجال وهو كره لهم، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾ [البقرة: 216]. إن الجهاد في ساحات المعارك كتب على الرجال لحماية المجتمع من أن يستبيحه العدو ومن أن يطمع فيه الطامعون، وفي الجهاد إعزاز للمجتمع كله يدفع ثمنه فئة من الرجال الذين يتطوعون لذلك أو يقع عليهم الاختيار للقيام بهذا الواجب، والقتال تكرهه النفوس لما يمكن أن يأتي به من إصابات أو موت، لكن ليست هنالك أمة على وجه الأرض إلا ولها جيش مستعد للموت حماية لنفسه وللباقين.. إذن في الجهاد خير مع أن النفوس تكره القتال، وفي تعدد الزوجات خير للنساء مع أن نفوسهن تكرهه كما تكره نفوس الرجال القتال، وليس في المجتمع أحد ينادي بحل الجيوش وتسريح الجنود بحجة أن نظام الجيوش يعني التضحية بفئة من أجل الباقين، إن الجندي الذي يعرض نفسه للموت يحمي نفسه وأهله وباقي الأمة من الموت والذل، ومثله النسوة اللواتي يتعرضن لزوجة ثانية فإنهن بمثابة المجاهدات اللواتي يحمين أنفسهن وغيرهن من الذل وانخفاض المكانة في المجتمع، ولا غرابة إذن أن يكون أجر الصابرة منهن مثل أجر الشهيد، والصبر هو قمة التكيف النفسي مع الواقع إذ يتضمن الرضا بهذا الواقع.

 

     كما أنه لا بد من تذكر أن المجتمعات التي منعت تعدد الزوجات عانت من التعدد المحرم الذي يقع سفاحاً ومخادنة، وكم من امرأة اكتشفت و قوع زوجها في علاقة آثمة كهذه وقالت: "لو أنه تزوج بالحلال لكان ذلك أهون علي"؟ إن تعدد الزوجات بالإضافة إلى كونه إعزازاً للنساء هو حماية لهن من إغواء الرجال، إذ من يرغب بإمرأة فليتزوجها بالحلال حتى لو كانت له زوجة وكان له أولاد ما دام يحمل النية المخلصة في العدل بينهما وإعطاء كل ذات حق حقها.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة