المقالات
دولتنا المنشودة: علمانية إسلامية
Whatsapp
Facebook Share

دولتنا المنشودة: علمانية إسلامية

بقلم الدكتور محمد كمال الشريف

الفصل الثالث من كتاب «الميزان: تجديد نظرية الإسلام السياسية»


 

  1. مقدمة
  2. عُطّلت الحدود فزادت أهميتها
  3. قبل تحكيم الشريعة
  4. أشكال التطبيق
  5. مدنية بمرجعية إسلامية
  6. الإسلاميون يكتشفون الديمقراطية
  7. دولة إسلامية علمانية
  8. يعلمهم الكتاب والحكمة
  9. غاية الفروض والتحريمات
  10. الحكمة مُكَمِّلة للشريعة
  11. ورثة الأنبياء صنفان
  12. السلفية النّصّيّة

 

1. مقدمة

عندما طغى رجال الدين في أوربا وتدخلوا في كل جوانب حياة الناس وادعوا أن الله سلطهم على الناس ليضمنوا نجاتهم في الآخرة من العذاب، وعندما عجز الدين في أوربا عن مواكبة التقدم العلمي الذي بدأ عندنا وانتقل إليهم، فأثبتت الكنيسة هناك أن دينها ليس صالحاً لكل زمان ومكان، عندها صار الناس مستعدين للتمرد على سلطة الكنيسة، وللسعي إلى سلطة من الناس، تهتم بأمور  دنياهم، وتحقق لهم حياة طيبة في هذا العالم، ولا يأتي أصحاب هذه السلطة من الكنيسة، بل من أهل الدنيا «اللاييك» من laity ومنها layman أي «العامة» مقابل رجال الدين، حيث هؤلاء اللاييك أهل الدنيا أعلم بها وأحرص عليها، وتُتْرك الآخرة للكنيسة ومن فيها، ولمن شاء أن يتبعها ويتردد عليها.

 

عندها تحولت المجتمعات والسلطات الأوربية من دينية كهنوتية إلى دنيوية، خارجة عن نفوذ رجال الدين، الذين يدعون ويقودون الناس باتجاه الآخرة، ويُنسونهم نصيبهم من الدنيا.

 

هكذا تكونت «الدنيوية secularism» وهي من الكلمة اللاتينية saeculum التي تعني العصر أو الزمن الحالي أي الدنيا أو «العَالمَية» نسبة إلى العالَم الذي نعيش فيه، وليس إلى الحياة الآخرة التي يبشر بها الدين ورجاله، وسماها العرب العَلْمانية وهي تحريف للعالمية نسبة إلى العالم، لأن للعالمية في أذهان الناس معنى آخر سابق على المعنى الجديد، وحرف البعض لفظها فكسروا عينها فأصبحت عِلمانية، فاختلط المفهوم وضاع المعنى الأصلي المقصود، وادعى الرافضون للدين عندنا أنها عِلمية تقوم على المعارف والحقائق العلمية المكتشفة حديثاً، ومع أنها بالضرورة لابد أن تكون علمية تستند على العلم الإنساني الدنيوي لتستطيع أن تسد فراغ التشريع الذي صنعه حصر الدين في الحياة الشخصية وبين جدران الكنائس، لكن كان الأولى أن يترجم العرب هذا المصطلح بكلمة «الدنيوية» لأنها تعبر عن المعنى بوضوح وبساطة؛ فأصحاب السلطة هم اللاييك أهل الدنيا وليسوا رجال الدين، ومجال عملها وغايتها إصلاح دنيا الناس، وترك آخرتهم لهم يعملون لها كما يشاؤون.

 

العَلمانية في السياسة هي الدنيوية ومشتقة من كلمة عالَم لا من كلمة عِلم، وقد كرهها المسلمون الذين غلبت عليهم النزعة الصوفية في القرون الأخيرة، فصار المؤمن المثالي في نظرهم هو الذي ينسى أو يتناسي نصيبه من الدنيا، مع أن خالقنا أنزل لنا الطيبات في الدنيا، ودعانا لأخذ نصيبنا منها بالحلال.

 

لقد نصر الله السوريين على الذين تسلطوا عليهم وقهروهم، وانتبهنا إلى أننا أمة مؤلفة من مكونات متنوعة ومتعددة عليها أن تحيا متصالحة، وتعدل فيما بينها، فتقوم بالقسط الذي من أجله بعث الله الرسل وأنزل الكتب. نحن المتدينين السوريين نتساءل عن طبيعة الدولة المثلى المناسبة لحالة أمتنا وظروفها، وللعصر الذي نعيشه، متدينين وغير متدينين، مؤمنين وغير مؤمنين، التي هي في تصوري «دولة الكتاب والحكمة»، لذلك أحببت أن أشارك في الحوار السوري حول طبيعة الدولة التي ننشدها، فأخذت فصلاً من كتابي «الميزان: تجديد نظرية الإسلام السياسية» لعله يقدم بعض الإجابات، أو يقترح بعض الصيغ التي تساعدنا على تحقيق ما نصبو إليه كمؤمنين، وما يناسب باقي السوريين الذين نعيش معهم كأمة واحدة.

2. عُطّلت الحدود فزادت أهميتها

نَعِمَ المسلمون بالعيش تحت حكم الشريعة الإسلامية قروناً عديدة إلى أن جاء زمان جهلوا فيه دينهم ودنياهم، فتسلط عليهم أعداؤهم واستعمروا بلدانهم وعطلوا حكم الشريعة فيها، باستثناء قوانين الأحوال الشخصية. لكن المسلمين بدأوا بالنهوض والصحو من سباتهم، فأخذوا يصححون عقيدتهم ويخلصونها مما علق بها من مفاهيم فيها شبهة شرك، وفي الوقت نفسه بدأ احتكاك المسلمين بالثقافة الغربية الناهضة، وبدأ اقتباسهم منهم وإقبالهم على العلوم الحديثة. الأمم لا تنهض بسنة أو سنتين، بل تحتاج إلى عدة أجيال وأحياناً لعدة قرون كي تستكمل نهضتها ويقظتها. في عام 1924م والمسلمون المهتمون بأمر الأمة مندفعون يعملون بجد وحماس من أجل نهوض بلدانهم وتقدمها العلمي والديني بعد أن صار كثير من المسلمين لا يصلون إلا عندما يتقدم بهم العمر، بل منهم كثيرون تنقضي أعمارهم ويرحلون عن الدنيا وهم تاركون للصلاة، لا لأنهم جاحدون لها، بل لأنهم جهلوا أهميتها وخطورة تركها، جاءهم خبر نزل عليهم كالصاعقة. لقد سقطت الخلافة العثمانية وألغيت نهائياً بعد قرون من العزة، كانت فيها هي الرمز لجميع مسلمي العالم الإسلامي السنيين. شعر الإسلاميون – وهكذا صاروا يُدْعون – بإحساس يشبه اليتم بعد فقد الأب الذي كانوا يباهون به رغم عيوبه الكثيرة. منذ ذلك اليوم أصبح تحكيم الشريعة واستعادة الخلافة الإسلامية أولى أولوياتهم.

 

ومع أن الأحاديث الشريفة تصف ترك الصلاة بالكفر فإن ترك الحكم بما أنزل الله الموصوف في القرآن بالكفر أيضاً، استقطب اهتمام الإسلاميين أكثر. وكلما زاد الوعي بسوء حالنا تعلقنا أكثر بأمل أن تخلصنا الشريعة إن حكّمناها وترتقي بنا إلى حياة أفضل، وصار شعار «الإسلام هو الحل» كثيراً ما يرفع والإسلاميون واثقون من أنه شعار صادق إلى أبعد حد. كما كثر اهتمام المفكرين الإسلاميين بالأمر وتأصيله فظهرت مفاهيم مثل «الحاكمية» حيث رأى المتحمسون للدولة الإسلامية أن الحاكمية لا تنبغي إلا لله، وأن جعلها للأمة نوع من الكفر والتعدي على حقوق الله، وبالغ بعض المفكرين الإسلاميين مثل المرحوم سيد قطب حتى جعلوا من يُشَرِّع للناس متألهاً ومن يطيع شرعاً غير شرع الله مشركاً، ولم يميزوا بين خضوع الإنسان للقوانين المفروضة عليه في المجتمع الذي يعيش فيه، وبين طاعته للشرع مع إيمانه أن ما يمنعه هذا الشرع حرام لا يحل له، وأن ما يمنحه له هذا الشرع حلال له، وأنه مأجور من الله على طاعته لشرعه بخلاف القوانين التي لا يراها ديناً ولا يرى الالتزام بها عبادة، إنما هو إما خاضع لها مكره عليها، وإما متمسك بها عن هوى في نفسه لأنها تعطيه مكتسبات ليست من حقه، كما لو ملكته البيت الذي هو مستأجره. وهكذا ظهرت جماعات جهادية تكفر الشعوب المسلمة وتستحل قتالها، وقتل كل من يلزم قتله منها، ظناً منهم أن كل مشرك إلى يوم الدين لا يَعصم دمه إلا إيمانه بلا إله إلا الله إيماناً لا تشوبه شائبة من شرك.

 

لقد انشغل الإسلاميون الجهاديون والسياسيون وحتى الدعويون التربويون بهمّ إقامة دولة إسلامية تحكمها الشريعة وتقيم الحدود وتحارب الفساد الأخلاقي والفكري القادم من الحضارة الغربية. الجهاديون والسياسيون الإسلاميون كان من الطبيعي تركيزهم على هذه القضية، لكن الصراع الدائم بين هذه التيارات وحكومات البلدان الإسلامية وضع جميع الإسلاميين، حتى الدعاة المسالمين، في دائرة الاتهام والشك والملاحقة وتقييد الحريات والتحركات، مما استنزف الجهد والأعمار بين من يُقتل ومن يُسجن ومن يهاجر لينجو من السجن أو القتل، فلم ينعم الإسلاميون في أكثر البلدان الإسلامية بفترات استقرار وراحة تسمح لهم بتطوير فكرهم ليتماشى مع العصر ويسمح لهم بالبناء الحضاري الإسلامي، وإن كانت بعض البنوك الإسلامية قد أنشئت ونشطت في بعض البلدان، لكن جو التوتر والملاحقة واضطرار أكثر الجماعات الإسلامية للعمل السري، حرم الأمة من أن تركز نخبتها الإسلامية على النهوض بفكرها وبالجوانب الاجتماعية والتربوية القائمة على الإسلام. مما جعل الإسلاميين يركزون جهودهم على محاولة إقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة ويتوقعون أن كل المشكلات ستنحل بمجرد إقامتها، وفات الكثير منهم أن إقامة الدولة الإسلامية يجب أن يسبقها أسلمة للمجتمع، بتقوية انتماء المسلمين لدينهم، وتقوية إيمانهم به، وتربيتهم بحيث يتخلقون بأخلاقه، وبناء ما أمكن من مؤسسات المجتمع المدني بروح إسلامية، ليتمكن الناس أن يعيشوا حياة متكاملة قريبة من الحياة الإسلامية المنشودة، وعندما ننجح في أسلمة المجتمعات ثقافياً وحضارياً واقتصادياً وفنياً تكون الأسلمة السياسية تحصيل حاصل، وهيّن تحقيقها لأن كل أسسها قائمة.

3. قبل تحكيم الشريعة

أخبر النبي ﷺ صحابته أن عرى الإسلام ستنحل وتُنْتَقَض عروة عروة، وبالتأكيد تنفك أضعف العرى أولاً ولا تنفك أقوى العرى إلا بعد أن تكون كل العرى الأخرى قد انفكت. قال ﷺ: «لتنقض عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة» (رواه المنذري في الترغيب والترهيب والهيثمي في مجمع الزوائد ورواه غيرهما). عروة الحكم هي أقل العرى متانة وأول عرى الإسلام انتقاضاً وانفكاكاً، أما عروة الصلاة فهي الأمتن على الإطلاق وهي آخر عروة من عرى الإسلام انتقاضا، وقد حصل انتقاض عرى الإسلام كلها تقريباً، إذ باستثناء بلدان محدودة كالسعودية والخليج، فقد ترك أغلب المسلمين الصلاة التي هي عمود الدين. وقد وصف النبي ﷺ ترك الصلاة بالكفر، لأنه من أعظم الذنوب، تماماً مثلما هو ترك الحكم بما أنزل الله؛ لكن ترك الصلاة إثمه على الأفراد، وترك الحكم بما أنزل الله إثمه على الحكام. المنطق أننا إذا أردنا أن نعقد عرى الإسلام من جديد أن نبدأ بالعروة الأقوى التي صمدت حتى النهاية ألا وهي الصلاة، وأن نترك الحكم إلى المراحل الأخيرة بعد أن يكون المجتمع قد تأسلم، ولا إثم علينا في تأخير الحكم بالشريعة وإقامة الدولة الإسلامية إلى أن يتأسلم المجتمع. تأملوا هذه الآية الكريمة:

 

﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ{41}﴾ [الحج: 41].

 

ومكناهم في الأرض أي أقمنا لهم دولتهم، قال السعدي في تفسيرها (في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان):

 

﴿إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: 41]

 

أي: ملّكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض.

 

هذه الآية الكريمة تبين لنا الأولويات التي لم تتغير قبل التمكين وبعده: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم يضاف عليها بعد التمكين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونستدل على أولويات ما قبل التمكين أي مرحلة (كفوا أيديكم) من هذه الآية الكريمة:

 

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً{77}﴾ [النساء: 77].

 

هذا لا يقلل من أهمية الحكم بما أنزل الله، لكنه واضح أنه يأتي بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الأسس الثلاثة تهيئ المجتمع للحكم بما أنزل الله. وعندها لا نتوقع أن يقاوم الناس تحكيم الشريعة، وعندها أيضا يَزَعُ الله بالسلطان ما لايزع بالقرآن كما ثبت عن عثمان y قوله: «إنَّ اللهَ يزعُ بالسلطانِ ما لا يزعُ بالقرآنِ»، ويزع يعني يمنع ويردع. المشكلة أن كثيراً من الإسلاميين يظنون هذا القول يعني تفوق السلطان على القرآن في منع الناس من المنكرات، مما يبرر أن تكون الأولوية لإقامة الدولة الإسلامية من ناحية السلطة وتحكيم الشريعة، لا لأسلمة المجتمع على كافة الأصعدة أولاً. الله يزع بالسلطان تلك الأقلية من الناس الذين لا حياء عندهم ولا ضمير، المتمردين على القيم وعلى المجتمع، لأنهم لن يردعهم الإيمان، ولا يرتدعون إلا بالخوف من العقوبة. هؤلاء قد لا يصلون إلى عشرة بالمائة إذا ما أخذنا باعتبارنا نسبة حدوث اضطرابات الشخصية والإدمانات وغير ذلك، أما الأغلبية من الناس فيزعهم القرآن الذين ينهى عن الفحشاء والمنكر مثلما تنهى الصلاة بل هو أكبر نهياً، وكما قلت ربنا يريدنا أن نلتزم بأحكامه وفرائضه ومحرماته، لا أن يُلْزِمنا بها ونحن كارهون. وواضح أن البدء يكون بأسلمة المجتمع وتربيته على التقوى وإزالة الدواعي للمعصية، وتوفير الدواعي والمعينات على الطاعة، فالزنا على سبيل المثال لا يطهر منه المجتمع بجلد الزناة، فالجلد لا يكون إلا للمجاهرين الذين يعترفون بالزنا أو يقومون به دون أي تحرز بحيث يتمكن أربعة رجال عدول من رؤية العملية الجنسية بشكل لا يدع مجالاً للشك أن الزنا وقع فعلاً. الجلد يجبر الناس على أن يستتروا إن وقعوا في الفاحشة لكنه لا يمنع ولا يردع الناس ما لم تنههم التقوى والصلاة والقرآن، وما لم يكن الزواج ميسوراً للشباب، لأنه الأغض للبصر والأحصن للفرج، فلم يحرم ربنا الربا قبل أن يحل البيع والتجارة، أي قبل أن يمتنع الناس عن المعصية لا بد من تأمين البديل الحلال لإشباع حاجاتهم الفطرية.

4. أشكال التطبيق

تركيز أغلب الإسلاميين على الحكم بما أنزل الله وإقامة الدولة الإسلامية جعلهم العدو الأول للحكام في الغالبية العظمى من بلدان العالم الإسلامي، وجعل مكانهم الطبيعي السجون، لكن الحال بدأ يتغير في السنوات القليلة الماضية بفعل الثورات التي شهدتها عدة بلدان إسلامية، حيث انتقل إسلاميون فيها من السجون إلى كراسي الحكم. وإن كانت سلطتهم الحقيقية أقل بكثير مما يبدو ظاهراً، لأن عناصر القوة في تلك المجتمعات ما زالت بأيدي الذين كانوا يمسكون بها قبل الثورات. والإسلاميون الذين شاركوا في الحكم بعد الثورات مربكون وربما متحيرون. قواعدهم تطالبهم بتحكيم الشريعة ومجتمعاتهم متخوفة من أن تُحكم على الطريقة الطالبانية أو الإيرانية الإسلامية، حيث تقيد الحريات الشخصية ويجبر الناس على الالتزام بما ليسوا مستعدين له. والمشكلة أكبر حيث توجد طوائف غير مسلمة أو علمانية وربما ملحدة. ثم هنالك ما يسمى المجتمع الدولي، أي الدول الاستعمارية المهيمنة، الذي لا يسمح بإقامة أي دول جديدة على الطراز الطالباني أو الإيراني. وكذلك هذه المجتمعات غير مستعدة لأن يطبق عليها نموذج الدولة الإسلامية السعودية، حيث يعاني الناس الكثير من القيود على حرياتهم الشخصية الناتجة في الحقيقة عن الطبيعة القبلية التي تسيطر فيها التقاليد على المجتمع السعودي أكثر منها قيود تفرضها الدولة، بل الناس هم الذين يقيدون أنفسهم، لكن الناظر من بعيد يظن أن القيود مفروضة عليهم من الدولة باسم الإسلام، لذا ليس للنموذج السعودي للدولة الإسلامية شعبية لدى المسلمين في البلدان الإسلامية الأخرى.

 

منذ عام 2002م ميلادي ظهر نموذج للدولة التي ليست إسلامية إنما يقودها إسلاميون، يسخرون أمانتهم وإخلاصهم لبناء الاقتصاد ورفع مستوى الرفاهية والأمان، دون أي تحكيم للشريعة، لأن الدولة علمانية، ولن تسمح لهم أن يحكموا إلا على هذا الشرط، أقصد تركيا بعد أن تسلم إدارة الدولة فيها حزب العدالة والتنمية. المتخوفون من الدولة الإسلامية الذين ينظرون إلى الأغلبيات التي حصل عليها الإسلاميون بالديمقراطية يتمنون لو يحذو الإسلاميون في بلدان الربيع العربي حذو الإسلاميين الأتراك، فيؤسسوا دولاً علمانية يحكمها إسلاميون ولا يحكمها الإسلام. لكن ما اعتبر نجاحاً كبيراً للإسلاميين الأتراك، يعتبر إخفاقاً عظيماً لأي فئة من الإسلاميين تحاول تقليده في بلدان الربيع العربي، إذ لا الجماهير ولا قواعد الجماعات الإسلامية تقبل بالتراجع إلى دولة علمانية وهم الآن ينعمون بدول نصف علمانية، ما يزال للإسلام فيها تأثيره في الحياة العامة وإن كان تأثيراً محدوداً.

 

الأكثرية في بلداننا الإسلامية تدين بالإسلام، لكنها لا تريد دولة تكون فيها الكلمة الأولى والأخيرة لعلماء الدين، يفتون في كل شأن من شؤون الدولة، ويتدخلون في كل قرار، بحكم أنهم أقدر الناس على معرفة الحلال والحرام، هذه الأكثرية عندها عواطف إسلامية، لكنها اعتادت على الحرية الاجتماعية منذ جاء الاستعمار الأوربي، الذي عطل الشريعة وغير في العادات والتقاليد لمصلحة المزيد من الحريات الشخصية، وإن لم يكن هنالك حريات تعبير أو سياسة موازية.

5. مدنية بمرجعية إسلامية

في وجه الهجوم على المشروع الإسلامي باتهامه أنه يسعى لإقامة دولة دينية يبذل الإسلاميون وُسْعهم لإقناع مجتمعاتهم أن الدولة الإسلامية لم تكن دينية في يوم من الأيام، وأنهم إنما يسعون إلى دولة مدنية بمرجعية إسلامية، أي دولة تُحكّم الشريعة الإسلامية، لكن الحكام فيها ليسوا موكلين من رب العالمين ليسوسوا الناس باسمه وبسلطانه، الحكام في الدولة الإسلامية المنشودة موكلون من قبل الأمة، وهي التي تختارهم وتكلفهم كي يحكموها بشرع الله. الأمة لها الحق أن تختار الحاكم، لكن لا خيار لها فيما يتعلق بالقوانين التي ستخضع لها، فالأمر محسوم، لأن الحاكمية لله والإسلام هو مصدر التشريع، والفقهاء جاهزون لاستنباط أحكام شرعية لكل ما يستجد من قضايا ومشكلات. الإسلاميون يسمونها دولة مدنية لأن السياسيين فيها ليسوا علماء الدين، وليس لهم أية شرعية استثنائية مستمدة من الاعتقاد أنهم مفوضون من الخالق، هم وكلاء عن الأمة، لكنهم والأمة معهم لا خيار لهم إلا الخضوع للشريعة، والفقهاء ليسوا هم الحكام لكن هم الذين يشرفون على كل شيء ويراقبون تطبيق هؤلاء الحكام للشريعة، وهم الذين يجيزون ما أصدره الحكام المدنيون من أحكام وقوانين إن كانت متفقة مع الشريعة، ويستنبطون أحكاماً جديدة انطلاقاً من النصوص التي عندهم، وفيما لا نص فيه، فإنهم يقيسون الأمر المستجد على أمر يشترك معه بعلة التحريم أو الفرضية، فيصلون إلى حكم لكل مستجد، حتى لو لم تكن هنالك نصوص من القرآن أو الحديث.

 

الدولة المدنية بالمرجعية الإسلامية ليست دولة دينية، كالدولة الدينية التي حكمت أوربا قروناً، ثم نجح الناس هناك في التمرد عليها، وإقامة دول علمانية مؤسسة على المواطنة، فيها يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات مؤمنين كانوا أو ملحدين، مسيحيين كانوا أو يهوداً، رجالاً كانوا أو نساء، دولاً تم فيها حصر الدين في الحياة الشخصية، وتم فيها عزله عن كل ما يمت للدولة بصلة، حتى إن المدارس الحكومية لا تدرس الدين لتلاميذها.

6. الإسلاميون يكتشفون الديمقراطية

بعد أن أدرك الإسلاميون في بلادنا أنهم غير قادرين على مغالبة المجتمع الدولي لإنشاء دول إسلامية كما يحلمون عن طريق القوة والغلبة والاستيلاء على السلطة لا حباً بالسلطة، بل استكمالاً لإقامتهم لدين الله الإسلام الذي يرونه ديناً ودولة، يبقى تطبيقه ناقصاً ما لم تقم له دولة تحكم بشريعته، أخذ الإسلاميون يقبلون الديمقراطية ويطالبون بها، لثقتهم بأنها الطريق التي يمكن أن توصلهم لأسلمة دولهم من خلال صناديق الاقتراع، طالما أن أغلبية الناس في بلادهم مسلمون. رفعوا لواء الديمقراطية وأعلنوا قبولهم بما تأتي به الديمقراطية، لكن المتخوفين من الدولة الإسلامية على كافة طوائفهم لم يقبلوا الدعوة إلى الديمقراطية دون علمانية، لأنهم يخافون من استبداد الأغلبية التي ستستطيع عن طريق صناديق الاقتراع أن تفرض وجهة نظرها على الجميع.

 

التحدي الآن هو إيجاد شكل للدولة تكون فيها إسلامية ومدنية أي علمانية في الوقت نفسه، أي دولة تجمع المتناقضات في بنيانها والفلسفة التي تقوم عليه، لأن الدولة المدنية طالما ستطبق الشريعة على مواطنيها فلن تكون إلا شكلاً مقنعاً من الدولة الدينية، إلا إن كان المقصود بالدولة المدنية أن تكون دولة نصف علمانية، لكنها لا تعادي الأديان ولاتقصيها إقصاء تاماً عن كل ما يمت للدولة بصلة، أي تبقى الأديان في المناهج الدراسية وتبقى قوانين الأحوال الشخصية مستمدة من من الأديان، أي باختصار بقاء الحال على ما هو عليه الآن. هذا الشكل للدولة يقضي على آمال الإسلاميين في تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، وهم ليسوا مستعدين لهذا الخيار حتى إن قبلوا تأجيل تحقيق حلمهم حتى حين، أو رضوا بالتدرج البطيء في تطبيق الشريعة.

7. دولة إسلامية علمانية

السؤال الآن هل يتسع الإسلام لتصور للدولة يكون إسلامياً وعلمانياً في الوقت نفسه؟ وجوابي هو نعم بكل تأكيد. لكن كيف؟

 

لنرجع إلى القرآن الكريم لنتبين لم أرسل الله الرسل في أقوامهم وختم بمحمد ﷺ رسولاً للبشرية كلها. يقول تعالى:

 

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ{25}﴾ [الحديد: 25].

 

ليقوم الناس بالقِسْط أي بالعدل. هذا هو الهدف من إرسال الرسل جميعهم بالبينات والكتب المنزلة والموازين التي تمكن الناس من تحقيق القِسْط والعدل، لأنه لا بد من أجل الوصول إلى العدل من معايير نهتدي بها.

 

حتى يتحقق الهدف الأكبر من إرسال الرسل وهو قيام الناس بالقسط والعدل أرسل الله الرسل ليعلموا البشرية شيئين لا غنى لها عنهما كي تقوم بالقسط، هما الكتاب والحكمة، ولنتأمل هذه الآيات الكريمة:

 

  • ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{231}﴾ [البقرة: 231].
  • ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ{48}﴾ [آل عمران: 48].
  • ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ{164}﴾ [آل عمران: 164].
  • ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً{54}﴾ [النساء: 54].
  • ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً{113}﴾ [النساء: 113].
  • ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ{110}﴾ [المائدة: 110].
  • ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً{34}﴾ [الأحزاب: 34].
  • ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{2}﴾ [الجمعة: 2].

 

«الكتاب» هو الكتاب، أي ما أنزله الله على رسله من كتب هداية للبشرية، فيها ما لم تكن قادرة على الوصول إليه وحدها، مثل الغيبيات كلها، والفرائض والمحرمات، وقصص من قبلنا، وأخبار يوم القيامة، والجنة والنار وغير ذلك.

 

لكن ما المقصود بـ «الحكمة» في هذه الآيات؟ بعض فقهائنا القدامى صرف معناها عن ظاهره وقال: إن كان الكتاب الذي بعث محمد ﷺ ليعلمنا إياه هو القرآن الكريم فلابد أن تكون الحكمة هي السنة المطهرة. من حيث المبدأ هذا ممكن، لكنه تأويل لكلمة الحكمة وصرف لها عن ظاهرها لا داعي ولا مبرر له. قال تعالى:

 

﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ{1} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{2}﴾ [يوسف: 1-2].

 

وقال أيضاً: ﴿حم{1} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ{2} إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{3}﴾ [الزخرف: 1-3].

 

أي القرآن عربي مبين لنفهمه كما تفهم اللغة العربية، حيث المعنى الظاهر هو الأصل ما لم يقم دليل قوي على أن المقصود شيء آخر.. وهذا يعني أن الحكمة المذكورة في الآيات السابقة هي بكل بساطة الحكمة، أي كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: (الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي)، أي هي العلم والخبرة التي يكتسبها الإنسان، أي إنسان، إن توافر له حد أدنى من الذكاء ومن العلم والخبرة الحياتية أو المهنية، فيصبح حكيماً إما بشكل عام بما يخص الحياة الإنسانية، وإما حكيماً في مجال ما، فالطبيب من قديم الزمان يسمى الحكيم، جاء في لسان العرب: (يقال الحكيم: الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل الحكيم ذو الحكمة، والحكمة: «عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم» ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها، حكيم).

 

وحتى نتأكد أن كلمة حكمة في القرآن الكريم تعني المعرفة، علينا أن نتفكر في معناها في الأحاديث الشريف:

 

روى البخاري في صحيحه هذه الأحاديث التي ذكرت فيها الحكمة:

  • «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا؛ فسلَّطَ على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه اللهُ الحكمةَ؛ فهو يَقضي بها ويُعلمُها»

  • «الفخرُ والخُيَلاءُ في الفَدَّادينَ أهلِ الوبَرِ، والسكينةُ في أهلِ الغنَمِ، والإيمانُ يَمانٍ، والحكمةُ يَمانيةٌ»

  • «أتاكم أهلُ اليمنِ، هم أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوبًا، الإيمانُ يَمانٌ والحكمةُ يمانيةٌ، والفخرُ والخُيَلاءُ في أصحابِ الإبلِ، والسَّكينةُ والوقارُ في أهلِ الغنمِ»

  • «فُرِجَ سَقْفِي وأنا بمكةَ، فنزلَ جبريلُ u، ففَرَجَ صدري، ثم غسَلَهُ بماءِ زمزمَ، ثم جاء بِطَسْتٍ من ذهبٍ، ممتلئٍ حكمةً وإيمانًا، فأفْرَغَهَا في صدري ثم أطبَقَهُ، ثم أخذَ بيدي فعَرَجَ إلى السماءِ الدنيا، قال جبريلُ لخازنِ السماءِ الدنيا: افتحْ، قال: من هذا؟ قال: جبريلُ»

  • «إن من الشعر حكمة»

 

واضح أن الحكمة في هذه الأحاديث الشريفة الصحيحة لا يقصد بها السنة، بل يقصد بها الحكمة كما يفهمها العربي عندما يسمعها.

8. يعلمهم الكتاب والحكمة

ما الذي نستخلصه من فهم كلمة الحكمة في القرآن الكريم على ظاهرها؟

 

نستخلص أن الرسل يقومون بدور مزدوج هو أولاً تعليم الناس الكتاب المنزل وكل ما يتعلق به، أي كل ما هو دين ما كان للناس أن يصلوا لمعرفته وحدهم مهما طال الزمان بهم، وثانياً تعليم الناس قدراً من الحكمة، أي كيف يكون التفكير السليم المتعقل في أي شأن من شؤون الحياة، وإعطاؤهم نصائح تنفعهم في معاشهم. وما ينضوي تحت عنوان الحكمة مما يعلمه الرسل لأقوامهم كلها أمور كان من الممكن للبشرية أن تكتشفها في يوم من الأيام، لكن الرسل يعطون البشرية جرعة جاهزة منها، توفر عليها الكلفة التي تنتج عن التجربة والخطأ إلى أن تكتشف الصواب فيها. وبالتالي، إن الرسل يعلمون أقوامهم ما هو دين، ويعلمونهم أيضاً ما ليس ديناً، إنما هو حكمة دنيوية نافعة. وعلى البشرية أن تتمسك بما هو دين لا تغير فيه ولا تبدل، وتكون كل بدعة فيه ضلالة مردودة وغير متقبلة من المولى، بل هي في النار. أما شق الحكمة مما علمه الرسل لأقوامهم، فعلى البشرية أن تنتفع به وتبني عليه لتصل إلى المزيد من الحكمة التي تنفعها في معاشها، وفي مجال الحكمة تكون البدعة هداية لا ضلالة، وممدوحة لا مرذولة، وتسمى الإبداع. وقد تكون البدعة هي تطبيق الحكمة في قضية تعبدية مثل جمع الناس لصلاة التراويح جماعة وعندها تكون «نعم البدعة هي».

 

وهذا يعني أنه ليس كل ما أمر به الرسول ﷺ هو دين مفروض علينا نأثم بمخالفته ويتوجب علينا تنفيذه والتقيد التام به، فالرسول ﷺ عندما يأمر أصحابه أن يطفئوا السراج إذا ناموا، ويحذرهم أن الفأرة قد تصدمه وتقلبه فيشتعل حريق خطير وهم نائمون، ما كان يشرع لهم ديناً بالمعنى الحرفي للدين، إنما كان يقدم لهم شيئاً من الحكمة المفيدة لهم، ويعلمهم كيف يفكرون التفكير السليم بأمور معاشهم.. وذات مرة أخطأ ﷺ عندما أبدى رأيه في تأبير النخل (أي تلقيحه) حتى يثمر، وكان رأيه أن التأبير غير لازم، فعمل الصحابة برأيه، وتركوا تأبير النخل فلم يثمر، فأخبرهم بعدها أن ما يحدثهم به عن الله حق هو معصوم فيه من الخطأ، حيث قال فيما رواه مسلم في صحيحه: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل». وفي رواية أخرى أنه قال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر». أما أمور دنياهم فهم أعلم بها منه كما قال في رواية ثالثة: عن أنس y أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بقومٍ يُلقِّحون. فقال «لو لم تفعلوا لصلَح» قال فخرج شِيصًا. فمرَّ بهم فقال: «ما لنخلِكم؟» قالوا: قلتَ كذا وكذا. قال: «أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم». (رواه مسلم).

 

ما يفرضه رب العالمين أو يحرمه على لسان رسوله مما هو من قبيل الحكمة التي كنا سنصل إليها بأنفسنا يوماً ما، بمجرد أن يفرضه أو أن يحرمه يتحول إلى دين وينضوي تحت عنوان الكتاب مع أنه في الأصل من الحكمة، ويصبح عملنا بمقتضاه عبادة نؤجر عليها كما نأثم إن قصرنا فيها. وأعطي بعض الأمثلة.

 

قبل سنوات دخلت أوربا وأمريكا في أزمة اقتصادية خطيرة هددت اقتصاداتهم تهديداً حقيقياً ذكرهم بالأزمة التي مرت بها أمريكا في الثلاثينيات من القرن العشرين. كانوا حكماء ولم يترددوا في فعل ما يخرجهم من هذه الأزمة الجديدة، فقاموا بشيئين هما عندنا في ديننا منذ أربعة عشر قرناً هما الزكاة وتحريم الربا. هم لم يحرموا الربا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنهم خفضوا الفائدة على القروض المصرفية إلى الصفر أو إلى نصف بالمئة فقط، وأخذت حكوماتهم تضخ السيولة المالية في المجتمع لتبقى القدرة الشرائية عند الناس محافظة على مستوىً جيد، بحيث لا يحصل كساد يؤدي إلى إفلاس المصانع والشركات وانهيار الاقتصاد. إن خفض الفائدة وضخ الأموال هما تماماً ما يحصن الاقتصاد الإسلامي من أمثال هذه الأزمات الاقتصادية الهائلة، فالزكاة تضخ كل سنة اثنين ونصف من السيولة لتصل إلى الفقراء فيشترون بها ما يحتاجون إليه من سلع وخدمات، فتتنشط التجارات والصناعات، وهي على صغر نسبتها تكفي، لأنها تتم بصورة دائمة ولا تنتظر حتى تقع الأزمة الاقتصادية، إنها إجراء وقائي تتضافر مع تحريم الربا لتحصن الاقتصاد الإسلامي من الأزمات، ويقال: درهم وقاية خير من قنطار علاج. هذا يعني أن البشرية قادرة على اكتشاف أضرار الربا وفوائد الصدقات حتى لو لم ينزل بهما قرآن يتلى ووحي يوحى. نعم هذا صحيح لكن الله الذي يحب المؤمنين ويحرص عليهم لم ينتظرهم ليكتشفوا ذلك بأنفسهم ويمروا بالأزمات العديدة قبل أن يصلوا لهذه الحقائق، بل وفر علينا المعاناة والخسارة وحمانا من أن «نتعلم من كيسنا» كما يقال ففرض الزكاة وحرم الربا وجعل طاعتنا له في ذلك عبادة يعطينا عليها الأجر العظيم مع أنهما لمصلحتنا ولتحسين دنيانا.

9. غاية الفروض والتحريمات

عندما يفرض ربنا علينا شيئاً أو يحرم شيئاً آخر، يكون القصد منه اختبار طاعتنا له، كي يثيب الطائع ويعاقب من يفسق عن أمره ويعصيه، لكن ربنا الرحمن الرحيم لم يحرم علينا إلا ما يضرنا، ولم يفرض علينا إلا ما ينفعنا. قال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{157}﴾ [الأعراف: 157].

 

نحن أصحاب مصلحة دنيوية في أن نحرم على أنفسنا ما يضرنا وفي أن نفرض عليها ما ينفعنا، ومع ذلك جعل ربنا لنا الثواب على فعل ما ينفعنا وعلى اجتناب ما يضرنا.

الأمر أكثر وضوحاُ في هذه الآية الكريمة:

 

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ{219}﴾ [البقرة: 219].

 

هذه الآية التي هي أصل من أصول الإسلام، لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه. لنتأمل قوله تعالى: ﴿...وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...﴾ لنرى الإثم ضداً للنفع، مع أن النفع ضد الضرر، وهذا يعني أن الإثم في ديننا والضرر شيء واحد، أي لم يؤثِّم ربنا شيئاً إلا وهو ضار لنا، ولم يحرم علينا شيئاً نفعه أكبر من ضرره. هذه ميزة لديننا يحق لنا أن نباهي بها ونبرزها، لتعلم البشرية كيف يضمن الإسلام سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، وكيف يزاوج بين الدنيا والآخرة، بحيث تصبح حياة المؤمن كلها عبادة، له بها أجر بمجرد أن يتقي الله فيها باجتنابه ما حرم عليه مما يضره ويؤذيه.

 

هذه الآية لم تحرِّم الخمر والقمار، مع أنها بينت أن أضرارهما أكثر من منافعهما، لذا استمر كثيرون من أصحاب رسول الله ﷺ في تعاطي الخمر ولعب القمار رغم الآية الكريمة لأنهم كانوا مدمنين، والمدمن يجد صعوبة في الإقلاع عما أدمن عليه، وقد مضى زمن ليس بالقصير قبل أن تنزل آية أخرى تحرم الخمر والميسر بشكل نهائي وقاطع.

 

لكن من رحمة ربنا ولثقته بنا وبحكمتنا، لم يُكثر علينا من الفرائض والتحريمات، بل سكت عن الكثير من الأمور، وتركها لنا ولحكمتنا.. أي الكثير من الأمور بقيت معلقة في مرحلة ﴿...وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...﴾، حيث تفرض علينا عقولنا بما جبلت عليه من حكمة أن نبتعد عنها، دون أن يكون وقوعنا فيها مدعاة للعقاب في الآخرة، إذ تكفينا العقوبة الحتمية التي تقع علينا عندما نرتكب تلك الأمور التي ضُرُّها أكبر من نفعها، فالذي يدخن التبغ من أجل المتعة، عقوبته حتمية من خلال الضرر الصحي الذي يصيبه نتيجة التدخين، دون أن يكون للتدخين حكم شرعي من تحليل وتحريم.

 

نعود إلى قوله تعالى: ﴿...وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...﴾ لنتبين هذا الأصل العظيم من أصول ديننا الذي لم ينتبه له القدماء، وهو مجيء لفظ إثمهما كضد لنفعهما، أي جاء لفظ الإثم مكان لفظ الضر، حيث الضر هو الذي ضد النفع، وهذا يعني أن الإثم والضّر يحل كل منهما محل الآخر في الإسلام، وبالتالي لم يحرم علينا ربنا إلا ما هو ضار لنا، ولا يمكن أن يحرم علينا شيئاً نفعه أكبر من ضره. وهكذا نجد الإسلام دين الفطرة والعقل والمنفعة، بخلاف باقي الأديان التي قد تمتحن الناس بتحريمها عليهم بعض ما ينفعهم، أو بفرضها عليهم بعض ما يضرهم.

 

ولا عجب إن لم نجد في القرآن والحديث الشريف مفهومي الخير والشر كمفهومين مطلقين، كما هو الحال في الأديان والمعتقدات الأخرى. لا شيء هو خير أو شر بشكل مطلق، بل هنالك ما هو خير لنا من حيث غلبة المنفعة لنا فيه على المضرة، وهنالك ما هو شر لنا من حيث غلبة الضرر فيه لنا على النفع. هنالك خير وشر بالنسبة لنا نحن البشر حيث الخير هو النفع، وحيث الشر هو الضرر، أما بالنسبة إلى الله فالأمور كلها متساوية، لأنه لا شيء قادر على نفعه، ولا شيء قادر على ضُرِه، فهو الصمد الغني القدير.

10. الحكمة مُكَمِّلة للشريعة

يقول ابن حجر في فتح الباري: وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» وله شاهد من حديث سلمان أخرجه الترمذي، وآخر من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود. وقد روي معنى هذا الحديث مرفوعاً من وجوه أخر، أخرجه البزار في مسنده والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ، قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً{64}﴾ [مريم: 64].» (قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح).

 

وقال ﷺ فيما رواه البخاري: «الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعْلَمُها كثيرٌ منَ الناسِ. فمنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ: كراعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَه. ألا وإِنَّ لِكلِّ مَلكٍ حِمى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أرضِهِ مَحارِمُه. ألا وإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كله، أَلا وهِيَ الْقَلْبُ». وقال أيضاً: «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامَ بينٌ وبينهما أمورٌ مُشتبهة. فمَن ترَكَ ما شُبِّهَ عليهِ منَ الإثمِ كان لِما استبانَ أتْرَكَ ومنِ اجْترأَ على ما يَشُكُّ فيه منَ الإِثمِ أوْشَك أن يُواقِعَ ما اسْتبانَ. والمعاصِي حمى الله، مَن يَرْتعْ حَولَ الحِمى يُوشِكْ أن يُواقِعَه».

 

وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{3}﴾ [المائدة: 3].

 

أي الدين كامل بما هو بَيِّنٌ من حرام وما هو بين من حلال بموجب النصوص القرآنية والحديثية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وما سوى ذلك لا داعيَ للبحث عن حكم شرعي له، إنما هو مما سكت الله عنه رحمة بنا، وتركه لحكمتنا وعقولنا التي ركب فيها حبنا لما هو نافع وكرهنا لما هو ضار، وهذا ما يجب أن نتقيد به إن أمكننا أن نقيم دولة إسلامية. أي ندعو الناس إلى الحلال البَيِّن، وننهاهم عن الحرام البَيِّن، ولا نقحم الدين فيما سوى ذلك من أمور مستجدة أو قديمة سكت عنها الشرع وتركها لنا نختار فيها الخير ونتجنب الشر.

 

واكتمال الدين قبل وفاة النبي ﷺ يعني اكتمال الأحكام أما النعمة التي تمت فهي الهداية، فقد جاء قوله تعالى: ﴿...أكملت لكم دينكم...﴾ في سياق بين أحكام شرعية سبقته وأحكام شرعية أعقبته، وكل ذلك في الآية نفسها، ولهذا دلالته ولا شك. قال ابن منظور في لسان العرب: {الديان: من أسماء الله عز وجل، معناه الحكم القاضي. وسئل بعض السلف عن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فقال: كان ديان هذه الأمة بعد نبيها أي قاضيها وحاكمها. والديان: القهار... وقيل: الحاكم والقاضي، وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة. يقال: دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا. وفي حديث أبي طالب: قال له، عليه السلام: أريد من قريش كلمة تدين لهم بها العرب أي تطيعهم وتخضع لهم...  والدين الحساب، ومنه قوله تعالى: مالك يوم الدين، وقيل: معناه مالك يوم الجزاء. وقوله تعالى: ذلك الدين القيم، أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي. والدين الطاعة. وقد دنته ودنت له أي أطعته... والجمع الأديان يقال: دان بكذا بديانة، وتدين به فهو دين ومتدين. ودينت الرجل تديينا إذا وكلته إلى دينه. والدين: الإسلام، وقد دنت به.... وفي الحديث: الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، قال أبوعبيد: قوله دان نفسه أي أذلها واستعبدها، وقيل: حاسبها... وفي التنزيل العزيز: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، قال قتادة: في قضاء الملك... ودنته أدينه دينا: سسته. ودنته: ملكته. ودينته أي ملكته. ودينته القوم: وليته سياستهم.... والدين: الحال. قال النضربن شميل: سألت أعرابياً عن شيء فقال: لو لقيتني على دين غير هذه لأخبرتك. الدين ما يتدين به الرجل. والدين: السلطان. والدين: الورع. والدين: القهر. والدين: المعصية. والدين: الطاعة. وفي حديث الخوارج: يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يريد أن دخولهم في الإسلام ثم خروجهم منه لم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي يدخل في الرمية ثم نفذ فيها وخرج منها ولم يعلق به منها شيء،قال الخطابي: يعني قوله، ﷺ، يمرقون من الدين، أراد بالدين الطاعة أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها.... وللدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله مقالة مفصلة عن معنى كلمة دين موجودة على هذا الرابط:
 https://www.al-qaradawi.net/node/2079

 

جاء فيها: فإذا قلنا: (دانه دِينًا) عنينا بذلك أنه مَلَكَه، وحَكَمَه، وساسه، ودبره، وقهره، وحاسبه، وقضى في شأنه، وجازاه، وكافأه. فالدِّين في هذا الاستعمال يدور على معنى المُلك والتصرف بما هو من شأن الملوك؛ من السياسة والتدبير، والحكم والقهر، والمحاسبة والمجازاة. ومن ذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{4}﴾ [الفاتحة: 4]، أي يوم المحاسبة والجزاء. وفي الحديث: «الكَيِّسُ من دان نفسه»، أي حَكَمَها وضَبَطَها. و(الديَّان) الحَكَم القاضي.

11. ورثة الأنبياء صنفان

روى الترمذي في سننه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيِه عِلْماً سَلَكَ الله له طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلاَئِكَةَ لتَضَعُ أَجْنَحِتَهَا رِضًى لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَواتِ وَمَنْ في اْلأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ في المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إنَّ الاْنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرَّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ». (صححه الألباني).  

 

وهكذا يكون علماء الدين ورثة لمحمد ﷺ في أمور الكتاب، ويكون علماء الدنيا من طب ونفس واجتماع واقتصاد وسياسة وغيرها من العلوم ورثة للنبي ﷺ في أمور الحكمة. رسالته تألفت من الكتاب والحكمة، وورثته صنفان: الأول يرث دوره في تبليغ الكتاب، والثاني يرث دوره في النهوض بحياة الأمة وقدراتها في مجال الحكمة.

 

صحيح أن هنالك الكثير من أمور الحكمة صارت من الكتاب عندما فرضها أو حرمها الله ورسوله بشكل بيِّن كالخمر والميسر والربا، لكن باقي الأمور الحياتية التي لم يرد فيها نص (آية أو حديث شريف) قطعي الثبوت قطعي الدلالة تبقى في دائرة العفو المتروك لعقولنا وحكمتنا وعلمنا واكتشافنا، دون تحليل أو تحريم. أي ما ثبت بالدليل القطعي أنه فرض أو أنه محرم هو الذي نأثم إن خالفناه أما ما سوى ذلك فعقوبتنا عليه تكمن في العاقبة غير السارة لأفعالنا غير المناسبة، ولا دور لعلماء الشريعة في الإفتاء فيها. وسيكون على علماء الدين القيام بما يسمى »تحقيق المناط« مثل التأكد من أن عملية مالية مستجدة، ليست صورة من صور الربا المحرم، كالتَّوَرُّق الذي تمارسه المصارف الإسلامية، ومثل التأكد هل المسابقات التي تجريها بعض الجهات عن طريق قيام الناس بالاتصال الهاتفي بها اتصالاً يكلفهم أضعاف الكلفة الحقيقية، وتستوفي هذه الجهة الجزء الأكبر من هذه الرسوم، بعد أن تقتطع شركة الهاتف رسوم الاتصال وعمولتها على تحصيل الأموال التي تذهب إلى الجهة المنظمة لهذه المسابقة، والتي في النهاية، تجري سحباً أو قرعة، ليفوز أحد الذين اتصلوا بجائزة كبيرة، واضح أنها تكون من المال الذي جمعته هذه الجهة من المتصلين، ليبقى لها ربح كبير، فيبحث العلماء هل هذه المسابقة صورة من صور الميسر والقمار المحرم أم لا. سيسهر العلماء على تطبيق الشريعة كما جاء بها محمد ﷺ قبل أن يقوم الفقهاء بتوسيعها لتغطي كل شأن من شؤون الحياة وتعطيه حكماً شرعيا يكون بالضرورة حكماً اجتهادياً، يغلب أن يختلف فيه الفقهاء وتتعدد أحكامهم تعدداً يحير الناس هل الأمر حلال أم حرام.

 

وهذا يعني أن دور علماء الدين في الدولة الإسلامية يجب أن يبقى محصوراً في تعليم الناس دينهم وحثهم على الالتزام بما ثبت أنه حلال بَيِّن أو حرام بين، دون أن يبحثوا عن حكم شرعي لكل أمر. فالخمر والميسر بين الله أن أضرارهما أكبر من منافعهما، لكنه تركهما دون حكم شرعي يحرّمهما فترة من الزمن، ريثما تم إعداد الناس لتحريمهما لأنهما مما تدمن النفوس عليه من عادات، يصعب عليها تركه بمجرد أمر ينزل، حتى لو كان من رب العالمين.

 

وأعطي مثالاً التدخين مرة أخرى، حيث يكون دور علماء الدين بخصوصه هو نصح الناس وتوعيتهم، لا البحث عن حكم شرعي بتصنيف التدخين على أنه حرام يأثم من يقع فيه إثماً دينياً. هذه ليست دعوة إلى التدخين، لكنها دعوة لحصر دور علماء الدين ودور الشريعة الإسلامية فيما ثبت تحريمه أو فرضيته ثبوتاً قاطعاً، دون أن نقيس ما يستجد على ما ذكر في القرآن والحديث، بل نتركه خارج دائرة الحلال والحرام، أي خارج دائرة الدين، لنكون نحن أعلم بأمور دنيانا. وهذا يعني تحرر الدولة الإسلامية من هيمنة علماء الدين عليها، ومن تدخلهم في كل صغيرة وكبيرة فيها، بحجة أنهم هم من يعلم حكم الشرع فيها، وهذا يجعلها فعلاً دولة مدنية تُحَكّم ثوابت الشريعة، وتترك الخلافيات كلها، ولا تبحث عن أحكام شرعية للمستجدات، بل تبحث في نفعها وضررها.

 

لكن ذلك لا يعني أن المباحات التي هي أكثر قضايا حياتنا تقع خارج دائرة العبادة لله أو العصيان والفسق، لكن ذلك لا يكون بالعمل ذاته، بل بما يرافقه من تقوى الله أو على الضد من إرادة العلو والفساد في الأرض، وهذا لخصه قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (متفق عليه).

 

ربنا لا يقبل عملاً صالحاً من مشرك ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{65}﴾ [الزمر:].

 

ولا يقبل عملاً من موحد أو مشرك عمله من أجل الرياء والسمعة والعلو في الأرض، أو دفعته إلى عمله رغبة في الفساد في الأرض وتحدٍّ للخالق، أما المؤمن إيماناً خالصاً بالله واليوم الآخر فإن كل عمله عبادة طالما كان متحرراً من دافع العلو في الأرض أو الفساد فيها، وهكذا يصبح نومه عبادة وأكله عبادة واستمتاعه الجنسي عبادة، رغم أنها كلها في الأصل مباحات.

 

ربنا يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{83}﴾ [القصص: 83].

 

وهذا يعني أننا لسنا في حاجة إلى استحضار نية مشروعة عند فعل الخير المباح، إنما مجرد خلو قلوبنا من إرادة العلو في الأرض أو الفساد فيها، يضمن أن دوافعنا مقبولة من الله، ويجعل عملنا عبادة يؤجر عليها المؤمن. فإن رأينا من يحتاج العون وأعناه دون أن نستحضر نية العبادة، يكون عوننا له مقبولاً من الله، شريطة ألا تصاحبه نية العلو أو الفساد في الأرض. وبالمثل فإن الإنسان سيحاسب عن أي عمل عمله وهو حريص على الإفساد في الأرض أو العلو والاستكبار فيها، حتى لو كان في الأصل من المباحات.. أي إن من يدخن تكون عقوبته ما يصيبه من أضرار بسبب التدخين، أما إن أراد العلو في الأرض أو الفساد فإن تدخينه يصبح معصية يأثم عليها إضافة للأضرار الصحية التي ستصيبه جراء التدخين، ومع ذلك يبقى حكم التدخين بحد ذاته أنه مباح.

 

والحرص على الحلال وتجنب الحرام في أعمالنا المباحة يجعل هذه المباحات عبادة نؤجر عليها لما امتزج بها من تقوى الله، مع أن العمل بحد ذاته مباحً لا أجر على فعله، ولا إثم في تركه. فقد قال ﷺ: «إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان». (رواه الطبراني).

 

وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر y أنّ ناسا قالوا: «يا رسول الله! ذهب أهل الدُثور بالأجور» وأهل الدّثور هم أهل الأموال.. فالصحابة الفقراء هنا أحسوا أنّ الأثرياء من المؤمنين قد سبقوهم في الأجر حيث ينفقون من أموالهم في سبيل الله، والفقراء لا يجدون ما ينفقونه مثلهم... قال هؤلاء الصحابة لرسول الله ﷺ: «يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم». فأجابهم النبي ﷺ قائلاً: «أوَليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به؟! إنّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة».

 

فدهش الصحابة لقوله ﷺ: «وفي بضع أحدكم صدقة» فلم يكن يخطر ببالهم أنّ تمتّع الإنسان بمتعة ما يكون له به أجر، فكيف بالمتعة الجنسية التي يعنيها النبي ﷺ بقوله في بضع أحدكم، هنا علّمهم النبي ﷺ كيف تقاس الأمور، ويحكم عليها، وبيّن لهم أن مجرد اجتناب المؤمن لما حرم الله، وحرصه على الحلال يجعل استمتاعه عبادة مأجورة.

 

ولمزيد من توضيح هذه الفكرة أضفت إلى ملاحق هذا الكتاب بحثاً بعنوان «مشكلة الدافعية عند المسلم المعاصر» مأخوذاً من كتابي «سكينة الإيمان» الذي نشرته دار ابن كثير في دمشق وبيروت عام 1996م.

لقد استفادت الأمة من إحياء فكر ابن تيمية وابن القيم كثيراً، لكنها حتى الآن لم تنتفع بفكر ابن حزم إلا قليلاً. إن قيام الفقهاء باستنباط أحكام فقهية لكل ما يستجد في حياة الناس شيء لم يأمر به الله في كتابه، ولم يأمر به النبي ﷺ في أحاديثه الشريفه، إنما كان اجتهاداً منهم، أدى إلى تقييد المؤمن وجعله جندياً لله ينفذ أوامره الحرفية ولا يبدع في شيء، لأن ما يصل إليه الفقهاء بالقياس أو غيره من آليات الاجتهاد الفقهي، يعتبره الفقهاء تشريعاً من الله، له نفس قدسية الأحكام التي أنزلها الله واضحة بينة في كتابه الكريم، فيضطر المؤمن إلى تكييف حياته بحسب هذه الاجتهادات. أسلافنا كانوا يرون الملائكة أفضل الخلق عبادة لله، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وظنوا أن خالقنا يريد منا أن نعبده كما تعبده الملائكة، ونسوا أن الله خلقنا لنكون خلفاءه في الأرض، نعبد الله بطريقة مختلفة عن طريقة الجندي، لأن الخليفة أعلى قدراً ومكانة من الجندي، ألم يكرم الله آدم وأمر ملائكته أن يسجدوا له سجود التحية عندما خلقه؟ الخليفة له صلاحيات يتصرف بموجبها كما كان من استخلفه سيتصرف. الخلافة في الأرض نوع من الرئاسة والقيادة، لأنها خلافة للعظيم، القاهر فوق عباده، القوي العليم.

 

الإسلام دين مكون من عقيدة تلخصها أركان الإيمان، ومن منهج للعبادة تلخصه أركان الإسلام، ومن شريعة اكتملت قبل وفاة الرسول ﷺ، ولا داعي لإضافة أي شيء عليها، إنما هي الحكمة نعرف بها ما ينفعنا وما يضرنا، فنكثر من النافع ونتجنب الضار.

 

الإسلام دين يحتوي شريعة، ويحتاج الناس إلى دولة تقوم على شؤونهم وتحكم فيهم بما حكم به الله من أحكام أنزلها على الرسول ﷺ، ويترك مجالاً واسعاً جداً للبشر ينظمون شؤونهم التي سكت عنها رب العالمين، وتركها لحكمتهم وفطرتهم، فهم مفطورون على حب الخير وكراهية الشر، وقد وهب الله لهم عقولاً يحب أن يراهم يُعْملونها، ويهتدون بها إلى الصواب في كل المستجدات التي لم يأت لها حكم في القرآن أو السنة.

12. السلفية النّصّيّة

إننا في هذا العصر بحاجة إلى سلفية جديدة أبلغ من السلفية الحالية، سلفية نَصّيّة (نسبة إلى نَصّ) تأخذ مباشرة من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف الصحيح، وتستأنس بفهم المسلمين السابقين، لكنها تمارس حقها في فهم هذه النصوص التي بَلَغَتها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع، كما قال ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه. عن نفيع بن الحارث الثقفي أبو بكرة y قال: «خطَبَنَا النبيُّ ﷺ يومَ النحرِ، قالَ: أتَدْرونَ أيُّ يومٍ هذَا. قلنَا: اللهُ ورسولُهُ أعْلَمُ، فسَكَتَ حتى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسمِهِ، قالَ: أَلَيسَ يومَ النَّحرِ. قلنَا: بلَى، قالَ: أيُّ شهرٍ هذَا. قلنَا: اللهُ ورسولُهُ أعلَمُ، فسَكَتَ حتى ظنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسمِهِ، فقالَ: أليسَ ذو الحجةِ. قلنَا: بلى، قالَ: أيُّ بلدٍ هذَا. قلنَا: اللهُ ورسولُهُ أعْلمُ، فسكتَ حتى ظنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيِه بغيرِ اسمِهِ، قالَ: أليستْ بالبَلْدَةِ الحرامِ. قلنَا: بلَى، قالَ: فإنَّ دماءَكُمْ وأموالَكُم عليكُمْ حرَامٌ، كحُرْمَةِ يومِكُمْ هذَا، في شهرِكُم هذَا، في بلَدِكُم هذَا، إلى يومِ تلقَونَ ربَّكُم، ألا هَلْ بَلَّغْتُ. قالوا: نعمْ، قالَ: اللهمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى من سَامِعٍ، فلا تَرْجِعوا بعدِي كفارًا، يضرِبُ بعضُكُم رقابَ بعضٍ».

 

نأخذ من ابن حزم امتناعه عن القياس، وامتناعه عن البحث عن أحكام لِما سكت عنه ربنا، وما لم يكن في زمان النبي ﷺ واستجد بعده، لكن لا نأخذ منه الظاهرية المفرطة في الحرفية، بل نتعلم من فقهائنا الآخرين منهجهم في فهم النصوص واستنباط الأحكام منها، فنعود بديننا إلى بساطته ويسره، ونستعيد ما تركه الله لنا لنتصرف فيه بحكمتنا ومكتشفات علومنا التي علمناها ربنا.

 

هذه السلفية النّصّيّة، هي عودة بالإسلام إلى ما كان عليه زمن الرسول ﷺ، وهي ما نحن بحاجة إليه لننطلق في عصر العلم والإبداع. على الأقل يمكن أن نؤسس دولتنا الإسلامية المنشودة على أساس هذه السلفية الخالصة، فنكون كما كان الصحابة، لا مصدر للتشريع عندهم إلا الكتاب والسنة، وما تبقى فهو للحكمة البشرية.

 

أعتقد أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بكل معنى الكلمة لكن تطبق الأمة فيها وبمحض إرادتها واختيارها ما هو ثابت من شرع الله، ويقوم حكماء الأمة من جميع التخصصات العلمية بتنظيم حياة الناس فيها بحسب أحدث ما توصلت إليه العلوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد


تعليقك هنا
* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك
* كود التحقق
 
 

حقوق النشر © 2017 جميع الحقوق محفوظة